لماذا نترك الأبواب مفتوحة، حتى حين نعرف أن خلفها حكايات لا نريد أن تعود، وأشخاصاً تركوا في أرواحنا ما يكفي من الوجع، وأسراراً كان ينبغي أن ندفنها منذ زمن؟
ربما لأن الإنسان لا يعرف كيف يغلق ما كان يوماً جزءاً منه.
نحن نُحسن الرحيل بأجسادنا، لكن أرواحنا تتأخر كثيراً. نغادر المكان ونبقى فيه، نبتعد عن الأشخاص ونحمل أصواتهم معنا، ونقول انتهى الأمر، بينما في أعماقنا شيء ما يزال ينتظر نهاية لم تأتِ.
وعندما ينام الجميع، ونبقى وحدنا أمام أنفسنا، تعود إلينا أشياء ظننا أننا تجاوزناها. حكاية قديمة، وجه غاب، كلمة لم نقلها، وسر احتفظنا به طويلًا حتى أصبح جزءًا من صمتنا.
نحتفظ بأسرارنا كما لو أنها آخر ما تبقى لنا من أنفسنا. نخشى أن نكشفها، ونخشى أكثر أن نطويها. بعض الحكايات تصبح مع الوقت غرفاً داخلية نسكنها وحدنا، ندخلها حين ينام الجميع، ونستعيد تفاصيل ظننا أننا نسيناها. وربما لهذا نتعب؛ لأننا نعيش في الحاضر بأقدامنا، وفي الماضي بقلوبنا.
لكن لماذا نتشبث بما يؤلمنا؟
لماذا نقف طويلاً عند علاقة يعرف القلب أنها استنفدت قدرتها على الحياة؟ لماذا ننتظر اعتذاراً قد لا يأتي، وتغييراً قد لا يحدث، وعودة نعرف في قرارة أنفسنا أنها لن تعيد الأشياء إلى صورتها الأولى؟
أحياناً يكون الرحيل فعلاً من أفعال الرحمة. نبتعد لأننا تعبنا، لأن ما مضى أخذ أكثر مما ينبغي من أعمارنا، ولأن الوقت الذي نهدره في الانتظار يمكن أن يكون عمرًا كاملاً من الحياة. نحن نتصرف أحياناً وكأن أمامنا وقت لا ينتهي.
نؤجل الفرح، نؤجل السفر، نؤجل الكلام الذي نريد قوله، ونؤجل حتى أنفسنا، وكأن العمر سيمنحنا فرصة أخرى كلما ضاعت واحدة. ثم نكتشف فجأة أن السنوات لم تكن تنتظرنا، وأن الأيام التي حسبناها كثيرة كانت تمضي بصمت، واحدة وراء الأخرى.
كم بقي لدينا؟
هذا السؤال وحده يستطيع أن يوقظ شيئاً نائماً في داخلنا.
كم بقي من العمر كي ننتظر شخصاً لا يأتي، كم بقي كي نحمل سراً يثقل القلب، كم بقي كي نعيش أسرى لما حدث، بينما الحياة تمضي أمامنا ولا تلتفت؟
الحياة أقصر من أن نقضيها في انتظار اللحظة المثالية. لا توجد لحظة مثالية، ولا نهاية مكتملة، ولا ضمان بأن الطريق الجديد سيكون خالياً من الألم. لكننا نعرف أن الوقوف في المكان نفسه لا يعيد ما مضى، وأن التعلق بما انتهى قد يحرمنا من فرصة لم تبدأ بعد.
كل شيء يمضي. الأشخاص، الأماكن، الأحلام، وحتى نحن. وما نظنه اليوم حقيقة ثابتة قد يصبح غداً مجرد ذكرى بعيدة. كل شيء سراب في سراب، وربما تكمن حكمة الحياة في أن نعرف متى نتوقف عن مطاردة ما لا يمكن الإمساك به.
لذلك، حين يؤلمك البقاء، ارحل. أغلق ما انتهى بهدوء، من دون كراهية، ومن دون رغبة في الانتقام من الماضي. اترك الحكاية في مكانها، وخذ منها ما جعلك أكثر معرفة بنفسك. ثم امضِ.
فربما لم يكن ما ينتظرك خلف ذلك الباب مجرد بداية جديدة، بل حياة كاملة كنت تؤجلها وأنت تنتظر.
كاتبة بحرينية