الاثنين 12 أكتوبر 2026
32°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حين يصبح الوجع مادة للمشاهدة
play icon
كل الآراء

حين يصبح الوجع مادة للمشاهدة

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 12 أكتوبر 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايـا الروح

لم يعد الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي مجرد طرحٍ فكري عابر، بل أصبح ضرورة لفهم أثرها العميق في الوعي والسلوك والمجتمع، فنحن لا نعيش مجرد تطور تقني، بل تحوّلاً عميقاً في نظرة بعض الناس إلى الخصوصية والوجع والمرض، وإلى ما ينبغي أن يبقى شأناً شخصياً يُحتسب أجره عند الله، وما يُدفع به إلى العلن ليصبح مادةً أمام الآخرين. فقد تجاوز البعض حدود استخدام المنصات للتواصل، إلى جعل تفاصيل المرض والظروف الصحية جزءاً من حضورهم اليومي.

وفي زحام هذا الفضاء الرقمي، أصبحنا نرى بعض الوجوه التي لا تكتفي بأن تعيش ألمها، بل تحرص على أن يراه الآخرون، وكأن للوجع جمهوراً لا يكتمل إلا بحضوره. تُنشر التفاصيل، وتُستعرض الأزمات، وتُستدعى العاطفة، حتى يتحول المرض من ابتلاءٍ يُحتسب إلى محتوى يُستهلك.

فالأمر تجاوز هدف طلب الدعاء، واصبح الترويج للذات وجذب المشاهدات.

وهنا لا أقصد من يكتفي بنشر صورة، أو كلمة وجيزة طلباً للدعاء، إنما أقصد من يحوّل مرضه إلى محتوى دائم، فينشر فيديوهاته ويوثّق تفاصيل أوجاعه ومعاناته، ويجعل المرض محوراً متكرراً لحضوره أمام الناس.

وإن كان البعض يقول: "إننا ننشر بهدف التوعية، وتعليم الناس، ونقل التجربة للآخرين"، فالسؤال هنا: هل التوعية تستلزم أن تُنشر كل التفاصيل، وهل كل تجربة مؤلمة لا بد أن تتحول إلى مادة مصوّرة تُعرض على الملأ؟

أليس هناك كثيرون مرّوا بالتجارب ذاتها، وذاقوا الألم نفسه، وربما كانت معاناتهم أشد، لكنهم اختاروا أن يحتفظوا بهذا الجانب لأنفسهم.

التوعية الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض الوجع، ولا إلى تصوير كل لحظة من لحظات الضعف. يمكن للإنسان أن ينقل تجربته، وينفع الآخرين، ويترك أثراً طيباً، دون أن يجعل من ألمه عنواناً دائماً لحضوره.

فكم هو مؤلمٌ أن نصل إلى زمنٍ أصبح فيه المرض، الذي كان يُخفيه الإنسان حياءً ويحتسب أجره عند الله، يتحول عند البعض إلى محتوى يُعرض على المنصات، وتُقاس قيمته بعدد المشاهدات والتعليقات والتفاعلات.

منذ متى أصبح الوجع خبراً يُنشر على الملأ؟

ومنذ متى أصبحت الخصوصية الصحية مشهداً مفتوحاً للغرباء؟

لا بأس أن يطلب الإنسان الدعاء حين تضيق به الدنيا، ولا حرج أن يخبر من يحبهم بما يمر به، لكن المؤلم أن يتحول الأمر إلى استعراض متكرر للألم، وكأن المرض اصبح وسيلة لاستدرار التعاطف، ولجذب متابعين جدد.

الأشد إيلاماً أن بعضهم لا يكتفي بإعلان مرضه، بل يجعل من تفاصيله مادة يومية: صورة هنا، وتحديث هناك، ورسالة تستدر العاطفة، ثم متابعة لردود الفعل… حتى يصبح الإنسان منشغلاً بمن شاهد مرضه، أكثر من انشغاله بمن بيده شفاؤه.

يا ترى، متى أصبحنا نطلب الطمأنينة من تعاطف الناس، ونحن نملك باباً لا يُغلق: باب الله؟

هناك فرق كبير بين أن تقول: "ادعوا لي، لعل دعوة صادقة من أحدكم توافق ساعة إجابة"، وبين أن تجعل مرضك حكايةً متكررةً، لا تنتهي تفاصيلها أمام الناس، تبحث في كل تفصيلةٍ عن جرعةٍ جديدة من التفاعل.

لقد جعلت بعض منصات التواصل الناس يلهثون خلف الأرقام، حتى في أكثر لحظاتهم هشاشة للأسف؛ فبدلاً من أن تكون الأزمة الصحية لحظة مراجعة وهدوء، ولجوء إلى الله، أصبحت عند البعض فرصة لزيادة المتابعين، وتوسيع دائرة الشهرة، وصناعة قصة تستدر العاطفة.

فليس كل ما نشعر به يجب أن يُنشر، وليس كل ألم يحتاج إلى جمهور، وليس كل دمعة تحتاج إلى أن يراها الآخرون.

بعض الأوجاع أجمل حين تبقى بين العبد وربه، وبعض الابتلاءات يكون أجرها أعظم حين يقول صاحبها: قدّر الله وما شاء فعل، ثم يمضي بقلبٍ راضٍ، محتسباً أجره عند الله.

لسنا ضد من يطلب الدعاء، بل ضد أن يتحول الابتلاء إلى سلعة، والمرض إلى محتوى، والدمعة إلى وسيلة للوصول.

التفت إلى السماء قبل أن تلتفت إلى الشاشة، وارفع يديك إلى من بيده الشفاء.فما عند الله أبقى، وأصدق دعاء قد يأتيك من إنسانٍ واحد دون أن يعرف العالم كله بقصتك.

ختاماً، نسأل الله أن يمنّ على كل مريضٍ ومريضةٍ بالشفاء والعافية.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار