-لن نصمت أمام أي انتهاك يمس سيادة الدول العربية أو مصالحها
-اتفاقيات الدفاع العربي المشترك تحتاج إلى التطوير والتفعيل وبناء منظومة ردع شاملة
-فلسطين ستبقى القضية المركزية... وأجندة جديدة لمواجهة الأزمات وتطوير العمل العربي والتنمية
أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي أن أمن دولة الكويت ودول الخليج العربية جزء أصيل من منظومة الأمن القومي العربي، مشدداً على أن الجامعة لن تصمت أمام أي انتهاك للقانون الدولي يمس سيادة الدول العربية أو مصالحها، وأنها ستواصل تحركاتها السياسية والديبلوماسية لدعم أمن الدول الأعضاء واستقرارها.
وقال فهمي، خلال مؤتمر صحافي عقده اليوم الاثنين بمناسبة زيارته الرسمية للبلاد، إن الاعتداءات المتكررة التي تعرضت لها أراضي دول خليجية وسيادتها ومصالحها، بما فيها دولة الكويت، لا سيما من الجانب الإيراني، تعكس حجم التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة.
وأكد استعداد الجامعة العربية لتقديم مختلف أشكال الدعم والتعاون السياسي، بما يسهم في حماية المصالح الكويتية وتعزيز الاستقرار الإقليمي، موضحاً أن زيارته للكويت تنطلق من تقدير عميق لمواقفها العربية الممتدة على مدى عقود.
واستذكر دور دولة الكويت خلال المراحل التي سبقت تحرير البلاد وما أعقبها، مشيراً إلى أن عروبة الكويت ظلت ركيزة ثابتة في سياستها الخارجية، بعيداً عن تقلبات الأحداث والظروف الإقليمية.
وأعرب عن اعتزازه بحفاوة الاستقبال التي حظي بها خلال الزيارة، مبيناً أن لقاءاته مع كبار المسؤولين الكويتيين اتسمت بالعمق والصراحة، وشملت مباحثات ستراتيجية وتفصيلية بشأن التحديات الراهنة ومستقبل العمل العربي المشترك.
وأضاف أنه سيعود إلى القاهرة حاملاً رسائل ووجهات نظر كويتية بشأن المرحلة المقبلة ودور الجامعة العربية، لافتاً إلى أنه عرض خلال لقاءاته ملامح رؤيته لعمل الأمانة العامة التي تضع حماية المصالح العربية في مقدمة أولوياتها.
وفي رده على سؤال بشأن الضمانات التي يمكن أن تقدمها الجامعة العربية لحماية سيادة الدول الأعضاء، أوضح فهمي أن الجامعة والدول العربية تشكلان منظومة متكاملة، تتولى فيها الدول توجيه العمل المشترك، فيما تضطلع الأمانة العامة بدور المبادرة والدعم والتنسيق السياسي.
وأفاد بأن الضمانات المتاحة حالياً ليست عسكرية أو أمنية مباشرة، وإنما تتمثل في تنشيط التحرك السياسي والديبلوماسي وتوحيد المواقف العربية والتصدي لأي مخالفة للقانون الدولي تمس المصالح العربية.
وأضاف: "أنا قلق على الوضع العربي وغير مرتاح له"، موضحاً أن تعدد الأزمات والتحديات التي تواجه الدول العربية، سواء من أطراف إقليمية أو نتيجة خلافات داخلية، يستدعي مراجعة جادة لآليات العمل المشترك.
وشدد على أن احترام القانون الدولي يجب أن يكون الأساس الذي تستند إليه الدول العربية في حماية سيادتها وأمنها الجماعي، لافتاً إلى أن الاعتماد على قوة القانون بدلاً من قانون القوة يمثل ضرورة ستراتيجية للدول العربية.
وأشار إلى أنه يسعى إلى تعزيز قدرة الجامعة العربية على الإسهام في تطوير الضمانات الأمنية للدول الأعضاء، مبيناً أن تحقيق ذلك يتطلب جهداً مشتركاً وتعاوناً متواصلاً بين الحكومات العربية والأمانة العامة.
وحول إمكانية إنشاء حلف دفاع عربي على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قال فهمي إن المنطقة العربية تمتلك بالفعل اتفاقيات للدفاع المشترك، لكنها تحتاج إلى التطوير والتفعيل بما يتناسب مع طبيعة التحديات الراهنة.
وأضاف أن رؤيته تقوم على بناء منظومة ردع عربية شاملة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل أيضاً الردع السياسي والعمل الديبلوماسي الجماعي والتعاون الاقتصادي.
وبيّن أن حلف شمال الأطلسي تأسس في الأساس لمواجهة تهديد محدد، في حين ينبغي أن تنطلق المنظومة العربية من مبدأ مواجهة أي انتهاك للقانون الدولي يمس سيادة الدول العربية أو مصالحها.
وأكد أنه سيطرح أفكاراً ومبادرات في هذا الشأن للتشاور مع الدول الأعضاء، وصولاً إلى آليات عملية تعزز قدرة الدول العربية على حماية أمنها واستقلال قرارها السياسي.
وفي شأن التطورات اليمنية والتوترات المرتبطة بالمملكة العربية السعودية، دان فهمي استهداف المواقع المدنية السعودية، معتبراً أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكاً للسيادة وممارسات مرفوضة تستوجب المحاسبة، سواء لمن ينفذها أو يدعمها.
وأشار إلى أن الأزمة اليمنية الممتدة منذ عقود تعكس مشكلة جوهرية تتمثل في غياب الاستقرار المستدام للدولة الوطنية، وما ترتب على ذلك من انقسامات وصراعات داخلية وتدخلات خارجية انعكست سلباً على الشعب اليمني وأمن الدول المجاورة.
وأوضح أنه بدأ الاطلاع على تطورات الملف اليمني والتشاور بشأنه، لكنه لم يدخل بعد بصورة تفصيلية في معالجته، لافتاً إلى اتصالات أجراها مع الجانب اليمني بشأن المستجدات الأخيرة.
وأكد أن استقرار الدولة اليمنية عنصر أساسي لأمن المنطقة، وأن استمرار حالة التفكك والصراع يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات ويضاعف التحديات الأمنية والإنسانية.
وحول إمكانية عقد قمة عربية طارئة لمناقشة التوترات الإقليمية والاعتداءات التي تتعرض لها دول الخليج، أكد فهمي أهمية الاجتماعات العربية على مستوى القادة ووزراء الخارجية، باعتبارها فرصة للتشاور وتنسيق المواقف وتحديد الأولويات المشتركة.
وذكر أن أهمية القمم لا تقتصر على انعقادها، بل ترتبط أساساً بحسن الإعداد لها ومتابعة تنفيذ القرارات الصادرة عنها، مشيراً إلى أن الاجتماعات الرفيعة المستوى يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لمبادرات جديدة أو مناسبة لإعلان قرارات جرى التحضير لها مسبقاً.
وقال إن الاتصالات الديبلوماسية العربية مستمرة على مختلف المستويات، وإنه سيعمل على تكثيفها في ضوء التطورات الإقليمية، مع السعي إلى تنظيم قمم عربية دورية لا تقتصر على معالجة الأزمات، بل تتناول أيضاً استشراف المستقبل.
وفيما يخص القضية الفلسطينية، أكد فهمي أنها ستبقى القضية المركزية ذات الأولوية في العمل العربي، مشدداً على أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والتطورات التي يشهدها قطاع غزة تجعل التوصل إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة.
وأوضح أن الجهود المبذولة على مدى العقود الماضية لم تنجح في إنهاء الاحتلال أو التوصل إلى حل عادل وشامل، معتبراً أن تعنت الاحتلال الإسرائيلي والدعم الأمني الأميركي للمواقف الإسرائيلية أسهما في تعقيد فرص التسوية.
وأضاف أن حل الدولتين لا يزال الحل الوحيد الممكن للقضية الفلسطينية، لكنه أصبح أكثر صعوبة مقارنة بما كان عليه قبل خمس أو عشر سنوات، نتيجة التوسع الاستيطاني والتغيرات الجغرافية والديموغرافية على الأرض.
وحذر فهمي من استمرار السياسات الاستيطانية الإسرائيلية التي تهدد إمكانية إقامة دولة فلسطينية على أراضٍ متصلة جغرافياً، مشيراً إلى أن الممارسات الإسرائيلية تستهدف - وفق تقديره - تقويض الهوية الفلسطينية وتغيير الواقع القائم.
وأكد تمسك الدول العربية بالأسس التي قامت عليها مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2002، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال والتوصل إلى تسوية شاملة.
وشدد على أن القضية الفلسطينية، رغم أولويتها، لا ينبغي أن تحول دون التعامل مع بقية الأزمات العربية، موضحاً أن القاسم المشترك بينها يتمثل في ضرورة احترام القانون الدولي ورفض انتهاك السيادة واحتلال الأراضي.
وفي معرض مقارنته بين تجربة الاتحاد الأوروبي ومسيرة العمل العربي المشترك، رأى فهمي أن أحد أبرز أسباب تقدم التجربة الأوروبية يتمثل في قدرة دولها على بناء إمكاناتها الذاتية بالتوازي مع استمرار شراكاتها الدولية.
وبيّن أن الدول العربية اعتمدت في مراحل مختلفة بصورة مفرطة على أطراف خارجية في مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد، ما أثر في قدرتها على تطوير أدواتها الذاتية وتعزيز استقلال قرارها.
وأشار إلى أن العمل العربي حقق إنجازات مهمة في محطات تاريخية، من بينها حربا أكتوبر 1973 وتحرير الكويت 1991، اللتان شهدتا صوراً من التضامن والمشاركة العربية السياسية والعسكرية.
وأكد أن المطلوب اليوم ليس الانعزال عن العالم، وإنما تحقيق التوازن بين التعاون الدولي وبناء القدرات العربية الذاتية، بما يعزز استقلال القرار الوطني ويحد من تأثير التحولات في سياسات القوى الكبرى.
وكشف فهمي عن توجهه لإطلاق أجندة عربية متجددة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، هي التصدي للأزمات وتطوير منظومة العمل العربي وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح أن المحور الأول يركز على التعامل مع الأزمات السياسية والأمنية القائمة، فيما يستهدف الثاني تطوير المؤسسات والآليات العربية، بما فيها جامعة الدول العربية، في حين يركز المحور الثالث على توفير فرص التنمية وتحقيق تطلعات الأجيال الجديدة.
ولفت إلى أن نحو 65 في المئة من سكان العالم العربي تقل أعمارهم عن 30 عاماً، ما يفرض على الحكومات والمؤسسات العربية مسؤولية مضاعفة لتوفير مستقبل أفضل وفرص اقتصادية تتناسب مع طموحات الشباب.
وأكد أن تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وتعزيز القدرات الذاتية للدول العربية يمثلان شرطين أساسيين لحماية استقلال القرار السيادي، محذراً من أن الاعتماد المفرط على الخارج في المجالات الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية يؤدي إلى تقليص هامش القرار الوطني.
وفي رده على الانتقادات المتعلقة باكتفاء الجامعة العربية بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار، أوضح فهمي أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى العمل المؤسسي والمبادرات العملية واستعادة مصداقية منظومة العمل العربي المشترك.
وبيّن أنه طرح منذ توليه منصبه ضرورة تطوير أدوات الأمن القومي العربي وتعزيز القدرة على الردع الجماعي، إلى جانب تحديث آليات العمل السياسي والاقتصادي والتنموي.
وأضاف أنه سيعمل على بلورة التفاصيل التنفيذية للأجندة الجديدة خلال الفترة الممتدة من سبتمبر إلى مارس المقبل، تمهيداً للتشاور بشأنها مع الدول الأعضاء ووضع برامج للتنفيذ التدريجي قد تمتد إلى ثلاث أو خمس سنوات، وفق طبيعة كل ملف.
وذكر أنه لا يقدم وعوداً بحلول فورية للأزمات العربية، وإنما يطرح رؤية وأهدافاً وآليات قابلة للتطوير والتنفيذ، مشدداً على أن نجاح العمل العربي يتطلب المبادرة والتخطيط للمستقبل وتوفير الأدوات اللازمة للتحرك.
واختتم فهمي بتأكيد أن اختياره بالإجماع لمنصب الأمين العام يمثل شرفاً ومسؤولية كبيرة، وأنه سيعمل بالتشاور مع الدول الأعضاء على تعزيز فاعلية الجامعة العربية واستعادة الثقة بالعمل العربي المشترك، انطلاقاً من الالتزام بحماية المصالح العربية واحترام القانون الدولي.