لغة القيادة
رغم المليارات التي تُضخ في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن القصة الحقيقية لا تكمن ببساطة في سرعة تبني المؤسسات لهذه التقنية، بل في ضآلة حجم الاستثمار الذي يترجم فعلياً إلى قيمة تجارية ملموسة. وتكشف تقارير دولية حديثة عن مشهد لافت عبر مختلف القطاعات؛ إذ تشير غالبية المؤسسات إلى أن الذكاء الاصطناعي يعزز الإنتاجية، ويدعم اتخاذ القرار، إلا أن العوائد المالية المترتبة عليه تظل أقل وضوحاً بكثير. وتثير هذه الفجوة، بين ما يعد به الذكاء الاصطناعي، وما يختبره الأفراد، وما تحققه المؤسسات فعلياً، قضية أكثر أهمية؛ وهي أن قيمة الذكاء الاصطناعي قد لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في مدى فعالية دمج المؤسسات لها ضمن الأنظمة، البشرية والتنظيمية، المحيطة بها.
لكن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يشهد فشلاً، بل قد يعني أننا نقيس قيمته بمنظور ضيق. فعلى سبيل المثال، إذا تمكن الموظف من إنجاز مهمة في ساعتين بدلاً من أربع ساعات، فقد لا تظهر الفائدة فوراً في صورة أرباح؛ إذ قد تتمثل في تحسين خدمة العملاء، أو تسريع تطوير المنتجات، أو تقليل الأخطاء، أو زيادة القدرة الإنتاجية للموظفين، أو حتى مجرد توفير وقت للتفكير.
وربما ينبغي اعتبار هذه الجوانب أيضاً عوائد للذكاء الاصطناعي، رغم أنها لا تؤثر عادةً بشكل مباشر وفوري على المحصلة المالية النهائية. ومع ذلك، تظل هناك جوانب أخرى أكثر إثارة للقلق في قصة الإنتاجية هذه.
إذ يتغلغل الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد في المجال الذي كان يمثل تقليدياً بيئة تعلّم الموظفين الشباب لآليات عمل المؤسسات؛ فالعديد من المهمات التي كانت تتيح للموظفين المبتدئين فرصهم الأولى لتحليل المعلومات، والتعلم من الزملاء الأكثر خبرة، أصبحت حالياً قابلة للأتمتة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
وتشير أبحاث حديثة إلى هذا التحول في ديناميكيات القوى العاملة، إذ تميل فرص العمل بشكل متزايد لمصلحة ذوي الخبرة، بينما تتراجع فرص العمل للمبتدئين، وتصبح أقل وضوحاً. ولا تكمن المشكلة ببساطة في قلة الوظائف المتاحة للمبتدئين، بل في تقلص الفرص اللازمة لاكتساب الخبرة التي تحوّل الموظفين المبتدئين إلى كوادر متمرسة.
علاوة على ذلك، سلطت تقارير حديثة صادرة عن مؤسسات مرموقة عالمياً، مثل "ديلويت" و"بي دبليو سي"، الضوء على مدى تعرض العمال الأصغر سناً للمخاطر بشكل خاص، في ظل إعادة تشكيل التكنولوجيا للمهمات والمهارات، والأدوار الوظيفية المخصصة للمبتدئين.
إذ أصبحت أجزاء كبيرة من الأعمال التي كانت تُستخدم تقليدياً لتدريب الموظفين في بداية مسارهم المهني قابلة للأتمتة بسهولة متزايدة. لهذا السبب، لا ينبغي اختزال العائد من الذكاء الاصطناعي في ما يظهر في قائمة الدخل؛ فالقيمة قد تتحقق أيضاً من خلال تعزيز المهارات، واتخاذ قرارات أفضل، وزيادة مرونة تنقل الموظفين، وتوفير المزيد من الوقت للمهام التي تتطلب حكماً بشرياً.
في الختام، قد لا يكون العائد الأكبر هو الربح المحقق اليوم، بل القدرات المؤسسية التي يتم بناؤها للمستقبل؛ إذ يكمن الاختبار الحقيقي في مدى استخدام الشركات للتكنولوجيا لبناء تلك القدرات، مع الاستمرار في الوقت ذاته في تطوير الكوادر البشرية التي سيتعين عليها قيادة هذه المؤسسات مستقبلاً.
باحثة أكاديمية، عميد مساعد في كلية إدارة الأعمال