الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
32°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
في ظل غياب العدالة الدولية والميزان الواحد
play icon
كل الآراء

في ظل غياب العدالة الدولية والميزان الواحد

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
د.لولوه البورشيد

عندما وُضعت مواثيق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، كان الحلم كبيراً عالم بلا حروب، وعدالة بلا تمييز، وميزان واحد يزن به حقوق جميع الشعوب. لكن بعد ثمانين عاماً، يبدو أن هذا الميزان قد انكسر، ولم يعد يزن إلا مصالح الأقوياء.

هناك حقيقة لم يعد أحد يستطيع إنكارها، العالم اليوم يعيش بلا عدالة دولية، وبلا ميزان واحد يحكم الجميع. فالقوانين موجودة على الورق، والمواثيق الدولية تملأ المكتبات، لكنها لا تطبق إلا على الضعيف، أما القوي فيفعل ما يشاء دون حساب.

عندما تأسست الأمم المتحدة عام 1945، كان وعدها واضحاً المساواة بين الشعوب، وتحريم العدوان، وحماية حقوق الإنسان في كل مكان. لكن ما الذي حدث بعد ثمانين عاماً؟أصبح لدينا نظام دولي تديره خمس دول فقط، تملك حق الـ"فيتو". دولة واحدة تستطيع أن تلغي إرادة العالم كله بجرة قلم. فأي عدالة هذه التي تعطي خمسة أشخاص حق تعطيل مصير ثمانية مليارات إنسان؟

إن غياب الميزان الواحد هو السبب الأول لما نراه من فوضى. فهناك معيار يطبق على صديق القوى الكبرى، ومعيار آخر يطبق على خصمها. عندما تحتل دولة أراضي غيرها في أوروبا، يسمى ذلك عدواناً يجب مقاومته، وتفرض العقوبات فوراً. وعندما تحتل دولة أخرى أراضي شعب آخر لعقود طويلة في الشرق الأوسط، يسمى ذلك "نزاعاً معقداً"، ويطلب من الضحية ضبط النفس. ازدواجية صارخة يراها الطفل قبل الخبير.

والأمر لا يتوقف عند السياسة، بل يمتد إلى الاقتصاد والإنسانية. فالدول الفقيرة إذا تأخرت في سداد ديونها، تحاصر وتجوع، ويفرض عليها برنامج إصلاح قاس. بينما الدول الغنية إذا طبعت تريليونات الدولارات بلا غطاء، يسمى ذلك سياسة نقدية حكيمة. دماء الضحايا أيضاً لا تتساوى، فمقتل مواطن في الغرب يهز العالم، بينما مقتل الآلاف في الجنوب لا يستحق حتى خبراً عاجلاً.

إن أخطر نتائج غياب العدالة هو انهيار الثقة. فكيف نطلب من الشباب في دولة ما أن يؤمن بالقانون الدولي وهو يرى هذا القانون يكال بمكيالين؟ كيف نطلب منه أن يلجأ إلى المحاكم الدولية وهو يعلم أن هذه المحاكم لا تستطيع الاقتراب من الكبار؟ النتيجة الحتمية هي أن يفقد هذا الجيل الثقة في كل شيء، ويعتقد أن القوة وحدها هي التي تحمي الحق.

ولكي نكون منصفين، فالعالم لا يحتاج إلى اختراع عدالة جديدة، بل يحتاج إلى تطبيق العدالة الموجودة على الجميع. نريد ميزاناً واحداً لا يفرق بين لون وعرق ودين ومصلحة. فإذا كان احتلال الأرض جريمة، فهو جريمة في كل مكان. وإذا كان قتل الأطفال جريمة، فهو جريمة في كل زمان. وإذا كان حق الشعوب في تقرير مصيرها حقاً مقدساً، فهو مقدس لكل الشعوب دون استثناء.

إننا لا نطالب بعالم مثالي بلا صراعات، فهذا مستحيل. لكننا نطالب بميزان واحد. ميزان إذا أدان الاحتلال في أوروبا، يدينه في الشرق الأوسط. وإذا أدان قتل المدنيين في مكان، يدينه في كل مكان. وإذا طالب بمحاكمة مجرم حرب في أفريقيا، يطالب بمحاكمة مجرم الحرب في أي قارة أخرى.

إن استمرار هذا الوضع لا يهدد الدول الضعيفة فقط، بل يهدد السلم العالمي كله. فالظلم الذي يتراكم اليوم دون حساب، سينفجر غداً في وجه الجميع. والتاريخ علمنا أن الإمبراطوريات لم تسقط لأن أعداءها كانوا أقوياء، بل لأنها فقدت عدلها الداخلي.

إن إصلاح العدالة الدولية ليس ترفاً فكرياً، بل هو شرط لبقاء هذا العالم آمناً. فالظلم الذي لا يجد من يوقفه اليوم في مكان بعيد، سيعود غداً ليطرق أبواب الجميع. والتاريخ يقول لنا بوضوح: عندما يغيب الميزان الواحد، يأتي ميزان الفوضى ليحكم الجميع.

إن المطالبة بالميزان الواحد ليست شعاراً عاطفياً، بل هي طوق النجاة الأخير لهذا العالم قبل أن يغرق في قانون الغاب.

كاتبة بحرينية

آخر الأخبار