ثمة أسئلة بدأت تتردد بهدوء في العراق، لكنها تزداد حضوراً في الأروقة السياسية والفضاء المجازي: هل نحن أمام إعادة إنتاج لتجربة عرفها العراق بعد انقلاب عام 1968، لكن بأسماء جديدة وأيديولوجيات مختلفة، وهل يمكن أن تتكرر دورة صعود جيل شاب إلى السلطة، ثم إزاحة الحرس القديم، ثم الدخول في صراعات داخلية تقود الدولة إلى المجهول؟
بعد انقلاب البعث عام 1968، شاركت في إدارة الدولة والحزب مجموعة من القيادات التي امتلكت خبرة سياسية وتنظيمية، وكان بعضها ينتمي إلى جيل أكثر نضجاً في التعامل مع الدولة ومؤسساتها. لكن هذه المرحلة لم تستمر طويلاً؛ فقد بدأت الصراعات والانشقاقات وإعادة توزيع مراكز القوة، وأُبعدت شخصيات، وأُعدم آخرون، وتراجعت أدوار قيادات كانت جزءاً من مرحلة التأسيس، لتصعد تدريجياً قيادات شابة أكثر تشدداً في إدارة السلطة.
وكانت أحداث عام 1979، وما رافقها من تصفية واسعة داخل القيادة البعثية، نقطة فاصلة في انتقال مركز القرار بصورة أكبر إلى جيل جديد، قبل أن يدخل العراق لاحقاً في سلسلة من الحروب، والأزمات، والحصار انتهت بسقوط النظام عام 2003.
المفارقة أن العراق بعد 2003 لم يتخلص تماماً من هذه القاعدة السياسية. فقد جاء نظام جديد، وبرزت قوى وشخصيات كان لكبار السن منها دور مهم في المعارضة، وصناعة المرحلة الانتقالية، لكن السنوات اللاحقة شهدت تراجع حضور عدد كبير من هؤلاء، وصعود جيل أصغر سناً، بعضه يمتلك حيوية سياسية، وطموحاً كبيراً، لكنه لا يمتلك بالضرورة الخبرة الكافية في إدارة دولة معقدة كالعراق.
وهنا تبدأ المقارنة الحقيقية.
في التجربة البعثية، سبقت السلطةُ الخبرةَ. وفي العراق الجديد، قد تسبق الطموحاتُ الخبرةَ أيضاً.
المشكلة ليست في الشباب؛ فالدول لا تتقدم من دون أجيال جديدة. المشكلة تبدأ عندما يتحول العمر إلى معيار للشرعية، ويصبح الولاء السياسي بديلاً عن الكفاءة، وتتحول الدولة إلى ساحة لتجربة أشخاص لم يختبروا من قبل مسؤولية إدارة اقتصاد وأمن، وعلاقات دولية ومجتمع شديد التعقيد.
والأخطر أن العراق اليوم يعيش ظرفاً أكثر حساسية من أي وقت مضى: صراع إقليمي، تنافس دولي، اقتصاد شديد الاعتماد على النفط، سلاح خارج مؤسسات الدولة، وتغيرات عميقة في علاقة العراق بمحيطه وبالقوى الكبرى.
من هنا يمكن تصور ثلاثة احتمالات.
الأول: أن ينجح الجيل الجديد في الاستفادة من أخطاء الماضي، ويستعين بأصحاب الخبرة، فيحدث انتقالاً سلمياً بين الأجيال دون كسر الدولة.
الثاني: أن يتحول الصراع بين القديم والجديد إلى صراع على النفوذ والمواقع، فتدخل العملية السياسية في مرحلة من الشلل، والتجاذب، وإعادة تشكيل التحالفات. الثالث، وهو الأخطر: أن تتشكل طبقة سياسية جديدة تجمع بين شعارات دينية وليبرالية ووطنية، وتعيد إنتاج أدوات السلطة القديمة بلباس مختلف؛ أي سلطة شابة، لكنها مغلقة، تستبعد من سبقها، وتعتقد أن امتلاك الشرعية السياسية يكفي لإدارة الدولة.
وهنا تكمن خطورة السؤال: هل يعود البعث؟
ربما لا يعود البعث كحزب أو كعقيدة، وهذا أمر آخر تماماً، لكنه قد يعود كـسلوك سياسي: احتكار القرار، إقصاء المنافس، تقديس الزعيم، تصفية الخصوم، وتقديم الولاء على الخبرة.
التاريخ لا يكرر نفسه حرفياً، لكنه يعيد أحياناً إنتاج القواعد ذاتها بأسماء مختلفة.
والعراق اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يتعلم من تجربة 1968، وما بعدها، ومن تجربة ما بعد 2003، فيجمع حيوية الشباب مع حكمة الخبرة، أو يسمح لدورة جديدة من صراع الأجيال في التبلور.
المشكلة ليست أن يحكم الشباب، بل أن يحكموا وحدهم، ويقصوا من يعرفون، ثم يكتشفوا متأخرين أن الدولة ليست مختبراً للتجارب.
كاتب عراقي