مرايـا الروح
في الحياة، تتجلّى معادن البشر في قدرتهم على الثبات على قيمهم، والوفاء لما يؤمنون به، مهما اختلفت الظروف وتعدّدت التجارب. فهناك من تصقلهم الأيام فتزداد مبادئهم رسوخاً، وهناك من تعيدهم التحوّلات إلى مراجعة كل ما كانوا يعلنونه من قناعات.أمّا أصحاب النفوس الأصيلة، فيحملون في داخلهم بوصلةً أخلاقية لا تفقد اتجاهها، ويُدركون أن النضج ليس في مجاراة كل تغيير، بل في التمييز بين ما يستحق أن يتغيّر فينا، وما ينبغي أن يبقى ثابتاً مهما تعاقبت فصول الحياة.
فالثبات على المبدأ ليس عناداً، والتمسّك بالقيم ليس تشدداً، والوضوح ليس سذاجة. إنما هو دليل على أن للإنسان مرجعيةً داخلية تمنعه من أن يصبح نسخةً من الظروف المحيطة به.
هناك من تتبدّل أخلاقه بتبدّل الظروف، ومن تتغيّر مواقفه وفق من حوله، ومن يتمسّك بالمبادئ حين توافق هواه، ثم يتخلّى عنها عندما تتعارض مع رغباته. وهؤلاء قد ينجحون في تبرير تناقضاتهم لبعض الوقت، لكنهم يخسرون شيئاً أثمن من كل تبرير: ثقة الناس، واحترامهم لأنفسهم، والصورة الصادقة التي يتركها الإنسان في ذاكرة الآخرين.
أما الإنسان الذي يحمل المسؤولية في قلبه، والصدق في لسانه، والأمانة في سلوكه، فإنه لا يحتاج إلى كثير من التبرير؛ لأن أفعاله تشهد له، وسيرته تسبقه، ومواقفه المتسقة عبر الأيام تكشف حقيقة معدنه.
والأجمل من كل ذلك أن يكون بين الإنسان وربه سرٌّ من التقوى يجعله يستحضر الله سبحانه قبل أن يستحضر الناس؛ وهنا تكمن قيمة الإنسان الحقيقية؛ فليس الشأن أن نبدو صالحين أمام الآخرين، إنما أن نبقى صالحين حين لا يرانا أحد.
وقد جاء في الحديث الشريف: "اتقِ الله حيثما كنت"؛ وهي وصية تختصر معنى الرقابة الداخلية، فالتقوى الحقيقية لا تكون في العلن وحده، بل في الخفاء أيضاً، حين لا تكون هناك إشادة من الآخرين واستحسان، ولا عيون تراقب، ولا منصّات تنقل ما نفعل، ولا حسابات اجتماعية
ترصد تحركاتنا، وتترقّب تصرّفاتنا.
إن أصعب أنواع الاستقامة أن تحافظ على نفسك ومبادئك في زمنٍ يشجّعك على التنازل عنها قليلاً قليلاً؛ أن ترفض أن تتحول إلى شخص آخر كي تنال القبول، وأن تقول "لا" حين تكون "نعم" أكثر راحة، وأن تنصف من تختلف معه، وأن تعترف بخطئك حين تخطئ، وأن تمنح الآخرين ما تحب أن يمنحوك إياه من إنصاف واحترام.
فالإنسان الأصيل لا تغيّره كثرة الإشادة، ولا تكسره قلّة التقدير. لا يرفع من قدره مديحٌ عابر، ولا ينتقص من قيمته نقدٌ جائر؛ لأنه يعرف من هو، ويعرف لماذا اختار طريقه. الحياة قد تغيّر مواقعنا، لكنها لا ينبغي أن تغيّر مبادئنا.
وما أجمل أن يمرّ الإنسان في هذه الدنيا خفيفاً من أثقال التلوّن، صادقاً مع نفسه، أميناً مع الآخرين، مطمئناً إلى أن ما يقوله هو ما يفعله، وما يظهره هو ما يخفيه. فالأيام وحدها كفيلة بكشف المعادن؛ قد يلمع الزائف سريعاً، لكن الأصيل يظلّ أصيلاً، حتى وإن طال به الطريق.
في النهاية، ليست العبرة أن تكون مقبولاً لدى الجميع، فذلك أمر مستحيل، إنما أن تكون جديراً بالاحترام حتى عند من يختلف معك.
فالرياح تختبر الأشجار، والمواقف تختبر الرجال، والأيام تكشف حقيقة القلوب.
كاتبة كويتية