من الأخطاء في قراءة الصراعات الإقليمية الاعتقاد بأن الدولة المستهدفة هي وحدها من سيدفع ثمن الهجوم. فالحدود السياسية تحدد السيادة، لكنها لا تحصر التداعيات الاقتصادية والستراتيجية. وثمة فارق بين رصد خسائر دولة، والاعتقاد بأن تلك الخسائر تمثل بالضرورة مكسباً للآخرين.
وقد كشفت الهجمات الأخيرة على السعودية عن خلل في بعض القراءات السياسية والإعلامية. ففي تحليلات نشرتها صحف إسرائيلية خلال الأسابيع الماضية، برز تشكيك في قدرة الترتيبات الدفاعية السعودية مع تركيا وباكستان على حماية المملكة، بالتوازي مع طرح التعاون الأمني مع إسرائيل، باعتباره خياراً قد تفرضه الضغوط الحالية.
ومن المشروع مناقشة كفاءة أي ترتيبات دفاعية، لكن ثمة فارقاً بين تقييم قدراتها الفعلية، وبين افتراض أن تعرض السعودية للهجمات سيجعل خياراتها السياسية أضيق، أو أن احتياجاتها الأمنية ستقودها بالضرورة إلى قبول ترتيبات لا تريدها.
والأهم أن السعودية ليست اقتصاداً معزولاً يمكن احتواء تداعيات اضطرابه داخل حدودها. فهي من أكبر منتجي النفط، ومصدّريه عالمياً، وتشكل مركزاً رئيسياً في منظومة الطاقة والتجارة الإقليمية. وأي اضطراب واسع، أو ممتد في منشآتها الحيوية، قد ينعكس على أسواق الطاقة، وتكاليف التأمين والنقل، وسلاسل الإمداد، وثقة المستثمرين. وتجاهل هذا الترابط لا يلغي تداعياته.
فالخطأ الستراتيجي يكمن في الخلط بين إلحاق الضرر بدولة، وتحقيق مكسب مستدام على حسابها. فقد يكسب طرف ما ورقة تفاوضية موقتة، بينما يساهم استمرار الاضطراب في رفع تكاليف، اقتصادية وأمنية، تتجاوز حساباته المباشرة.
وبالنسبة لنا في الكويت، فإن أمن السعودية ليس موقفاً تضامنياً تفرضه الجغرافيا، أو العلاقات الأخوية وحدها، بل مصلحة وطنية وستراتيجية أصيلة. فأي اختلال ممتد في استقرار المملكة ستكون له انعكاسات لا تستطيع دول المنطقة عزل نفسها عنها.
ومن حق بعض الدول أن تختلف مع بعض سياسات المملكة، لكن من الخطأ الخلط بين الاختلاف السياسي والاستخفاف بالتهديدات التي تتعرض لها. فاستقرار السعودية ليس امتيازاً سعودياً على حساب الآخرين، بل أحد مقومات الاستقرار الإقليمي التي تتجاوز منافعها حدود المملكة إلى محيطها الخليجي والعربي.
ولهذا فإن الحرص على أمن المملكة موقف عقلاني تفرضه قراءة واعية لموازين المصالح والمخاطر. ومن يعتقد أن إضعاف السعودية سيجعل محيطها أكثر أمناً، عليه أن يفسر أولاً كيف يمكن لمنطقة أن تزداد استقراراً باهتزاز أحد أهم مرتكزات استقرارها.