الاثنين 19 أكتوبر 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الطفولة السياسية
play icon
كل الآراء

الطفولة السياسية

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 19 أكتوبر 2026
خالد أحمد الطراح

اختاروا الغربة… فسقطوا من الذاكرة الوطنية، واختاروا العودة المستحيلة، واختاروا الغربة الطويلة، واختاروا - عن وعي أو وهم - العزلة عن الكويت.

مواطنون كويتيون، أدانتهم قضايا أمنية، لم يكتفوا بالابتعاد الجغرافي، بل اختاروا التموضع في الضفة المقابلة للوطن، في لحظة تُختبر فيها المعاني الحقيقية للانتماء، تحت وقع العدوان الإيراني على الكويت، ودول الخليج.

لم تكن المشكلة في المعارضة، فالمعارضة - حين تكون وطنية - جزء من توازن سياسي، بل في الانزلاق إلى خطاب نشاز، يفتقر إلى الحكمة، ويتكئ على الإثارة بدل المسؤولية.

فبدل التهدئة والتعقل، ارتفعت أصوات مأزومة، تظن أنها تؤثر في القرار، بينما هي في الحقيقة تعكس حالة من الطفولة السياسية، تعبث باللغة، وتستثمر في الفوضى، وتبحث عن دور في لحظة لا تحتمل العبث.

على امتداد أكثر من شهر منذ بداية العدوان الإيراني على الكويت ودول الخليج، لم نسمع خطاباً وطنياً جامعاً من تلك الأصوات، بل عويلاً سياسياً يختلط فيه الاضطراب الشخصي مع الحسابات الخاطئة، ومحاولات بائسة للإحراج السياسي في توقيت وطني حرج.

وفي مقابل تماسك الجبهة الداخلية، برزت أصوات معزولة، فاقدة للبصيرة، لا ترى في الأزمة إلا فرصة لتصفية حساباتها، ولو على حساب الكويت.

هذا الخطاب الخارج من وراء الحدود لا يأتي من فراغ، بل من فراغٍ في الموقف، وانكشاف في الرؤية. وحين تسقط الأقنعة، لا يبقى سوى حقيقة واحدة: أن من يخاصم وطنه في زمن الخطر، إنما يخاصم ذاته قبل كل شيء.

لقد خلص كثير من العقلاء وأهل الرأي في الكويت إلى قناعة واضحة: أن العودة - حتى لو سمحت بها السياسة - لن تعيد القبول الشعبي. فالثقة، حين تُكسر في زمن الأزمات، لا تُرمم بقرار، ولا تُشترى بموقف متأخر.

وقد تتغير الظروف، لكن الذاكرة الوطنية لا تنسى من اختار الاصطفاف خارجها.

إنها لحظة فرز، لا تحتمل الرماديات. ففي زمن العدوان الإيراني، تتوحد الصفوف، وتُختبر الضمائر، وتسقط الأقنعة.

ومن اختار أن يكون صدىً عدائياً ضد وطنه، فعليه أن يتحمل كلفة هذا الخيار - سياسياً، وأخلاقياً، واجتماعياً.

ويبقى الحكم الأخير ليس للقانون وحده، بل لذاكرة وطن… لا تغفر بسهولة.

وفي المحصلة، لا تُقاس الوطنية بالشعارات، ولا يُختبر الولاء في زمن الرخاء، بل في لحظات الخطر حين تتعرّى المواقف من الزيف.

هناك من يختلف مع الدولة، وهذا حق، لكن الفارق شاسع بين خلاف داخل البيت وتحت مظلة القانون، واصطفاف خارجه في لحظة تهديد للوطن.

فالولاء ليس ادّعاءً يُرفع عند الحاجة، بل موقف يُترجم حين تضيق الخيارات، وتشتد الأزمات.

أما من اختار أن يجعل من صوته أداة إرباك، ومن حضوره عبئاً على وطنه، فقد وضع نفسه - طوعاً - في خانة لا تعيدها الكلمات، ولا تمحوها التبريرات. ويبقى الوطن، في النهاية، أكبر من الجميع… لكنه لا ينسى من كان معه، ومن اختار أن يكون عليه.

آخر الأخبار