وقفة
كان في وسع إيران، بما تملكه من موقع جغرافي، وثروات، وطاقات بشرية، أن تصبح قاطرة للتنمية في منطقتنا، وأن تؤدي دوراً يشبه ما أدته الصين في آسيا: بناء الاقتصاد، والاستثمار في الإنسان، والانفتاح على العالم، وتحويل الإمكانات إلى فرص عمل وإنتاج وازدهار. لكن ذلك كان يتطلب خياراً سياسياً يقدم مصالح الدولة والشعب على منطق الثورة، وتوسيع النفوذ.إيران بلد واسع، يضم الجبال والأنهار والسهول والسواحل، والمعالم التاريخية والتراثية والدينية، ويملك موارد نفطية ومعدنية، وقاعدة سكانية كبيرة. وكان يمكن لهذه المقومات أن تجعله مقصداً سياحياً ومصدراً للغذاء والصناعة، وشريكاً اقتصادياً لدول الخليج والعالم. غير أن استثمارها يحتاج إلى الاستقرار، والتعاون الإقليمي، والبنية التحتية الحديثة، والإدارة الكفؤة للموارد، وفي مقدمتها المياه التي باتت تحدياً حقيقياً.
ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، اختار النظام مساراً آخر؛ فجعل "تصدير الثورة" مبدأً لسياسته الخارجية، وتدخل في شؤون جيرانه، ورعى جماعات مسلحة مرتبطة به في دول المنطقة. وهكذا تحولت طاقات كبيرة في إيران من التنمية والتكامل، إلى إدارة الخصومات والصراعات، وتراجعت فرص الثقة وحسن الجوار.
ولا تعود صعوبات إيران الاقتصادية إلى خيارها السياسي وحده؛ فالعقوبات والضغوط الخارجية أسهمت في تعقيد المشهد، لكن التوتر والسياسات الإقليمية زادا كلفة العزلة، وضيّقا فرص الشعب في الاستفادة من موارده. ولا يعني الاعتراف ببعض منجزات عهد الشاه تجاهل طبيعته السلطوية ومظالمه؛ فقد اتسعت الفجوات الاجتماعية في عهده، وضاق المجال أمام المعارضة، واشتدت قبضة أجهزة الاستخبارات على مفاصل المجتمع. ومع ذلك، شهدت إيران برامج تحديث، من بينها "الثورة البيضاء" عام 1963، التي تضمنت إصلاحاً زراعياً، ومبادرات لمحو الأمية، والرعاية الصحية، وتوسيع حقوق المرأة السياسية، إلى جانب تطوير البنية التحتية والتصنيع. ولم تخلُ تلك التجربة من الاختلالات، لكنها كانت قاعدة يمكن البناء عليها ضمن نظام أكثر انفتاحاً وعدالة.
غير أن النظام الجديد بقي أسير خطاب ثوري عابر للحدود. وهنا تبرز المقارنة مع الصين، لا لتطابق التجربتين، بل لإظهار أثر الخيارات في مصير الإمكانات.
حين بدأت الصين إصلاحاتها وانفتاحها الاقتصادي أواخر السبعينيات، في تزامن لافت مع نجاح الثورة الإيرانية، أبقت على حكم الحزب الشيوعي، لكنها غيرت أدوات إدارة الاقتصاد، ووسعت السوق والاستثمار والتجارة، واستفادت من الخبرات والتكنولوجيا الأجنبية. فتحولت السياسات إلى مصانع، وفرص عمل، وصادرات ونمو في التعليم والبنية التحتية. ويقدّر البنك الدولي أن الصين نجحت في انتشال نحو 800 مليون شخص من الفقر المدقع خلال العقود الأربعة التالية لبدء الإصلاحات، فيما بلغ ناتجها المحلي نحو 18.7 تريليون دولار عام 2024، لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم بالناتج الاسمي.vلم تكن التجربة الصينية وصفة سحرية؛ فقد استندت إلى استثمارات ضخمة، وسوق عالمية مواتية، وصاحبتها تحديات التفاوت والديون والحقوق. لكن درسها أن القيادة جعلت تحسين المعيشة، وزيادة الإنتاج أولوية، وسمحت بمرونة اقتصادية، بدل تقديم تصدير العقيدة وإدارة الصراعات على التنمية.
أما إيران، فرغم موارد الطاقة والسكان المتعلمين، وموقعها الواصل بين آسيا وأوروبا والخليج، لم تحوّل مقوماتها إلى تنمية مستدامة. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى انكماش اقتصادها بنحو 2.7 في المئة في السنة المالية 2025/2026، مع استمرار التضخم، وتراجع الدخول الحقيقية، في ظل العقوبات والتوترات والاضطرابات التجارية. هذه الأرقام لا تختصر حياة الإيرانيين، لكنها تكشف الفجوة بين الفرص المتاحة وما تحقق. ولا يبدأ التعافي بمجرد رفع العقوبات، وإن كان تخفيفها يفتح أبواباً مهمة؛ فهو يحتاج أيضاً إلى إصلاح مؤسساتي، وشفافية وبيئة جاذبة للاستثمار، تضمن وصول ثمار النمو إلى المواطنين. فالدول لا تُقاس بثرواتها وحدها، بل بقدرتها على توظيفها، وتحويل السياسة إلى خدمة للمجتمع.
ليس المقصود أن إيران كان يمكنها نسخ التجربة الصينية، أو أن المقارنة تخلو من الفوارق. المقصود أن اختيار حُسن الجوار، ووقف التدخل في شؤون الآخرين، وتوجيه الموارد إلى التعليم، والصحة والعمل، والإنتاج، كان سيجعلها شريكاً محورياً في نهضة المنطقة، لا مصدرًا للتوتر والقلق.
إن إيران ليست محكومة بمسارها الحالي إلى الأبد. فالمنطقة تحتاج إلى نظام يحقق الاستقرار لشعبها، ويحترم سيادة جيرانه، ويشارك في بناء تعاون إقليمي. وقد تبدلت أحوال أمم حين راجعت خياراتها، وجعلت التنمية أولوية. ويبقى السؤال: متى تتحول طاقات إيران من أدوات النفوذ والصراع إلى جسور للتنمية والسلام؟
وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً