لغة القيادة
قد تكشف صورة لاجتماع دولي كبير أكثر بكثير من مجرد أسماء الحاضرين.
تخيّل قاعة تهيمن عليها النساء، بينما يجلس خلفهن، عدد قليل من الرجال، في حين تدور النقاشات حول قرارات ستشكّل مستقبل البشرية. ومثل هذا المشهد، لو افترضنا حدوثه، سيثير، بلا شك، تساؤلات حول من يمتلك السلطة وكيفية توزيعها. وربما لا تُطرح هذه الأسئلة علناً، لكنها ستتردّد حتماً في أذهاننا جميعاً، بمن فينا النساء.
في المقابل، عندما ينعكس المشهد، بحيث تمتلئ القاعة بالرجال، ولا تظهر فيها سوى قلة من النساء، يبدو هذا الخلل في التوازن أمراً مألوفاً، وأقل إثارة للاستغراب. ويصبح هذا التباين أكثر لفتاً للانتباه عندما يحدث داخل مؤسسات لا تكتفي بالحديث عن المساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة والنمو الشامل، بل تضع أيضاً توجيهات بشأن كيفية تحقيق هذه الأهداف. وهذا ما نلحظه في صور انتشرت اخيراً من مؤتمرات، تحظى باعتراف دولي واسع.
صحيح أن الصور التي نراها، بصفتنا مراقبين، لا تقدّم سوى جانب واحد من المشهد، إلا أنها قد تمثّل، بالنسبة إلى المراقبين من الخارج، المؤشر الأقرب، وربما الوحيد، إلى هوية الأشخاص الحاضرين في المواقع التي تُصاغ فيها الأولويات العالمية، لا سيما عند النظر إلى الأمر من منظور التنوع المنشود.
والأكثر إثارة للاهتمام، أن الأدوار التقليدية للجنسين تبدو وكأنها تلاحقنا، حتى داخل الأوساط المهنية، بما في ذلك تلك التي أُنشئت لتعكس التقدم والمساواة. فقد تتغير البيئة، وترتفع المسميات الوظيفية، لكن أنماط التمثيل المألوفة تظل قائمة؛ إذ قد تكون المرأة حاضرة، من دون أن تشغل مناصب ذات تأثير مماثل، بينما تظل الإدارة متركزة في أيدي الرجال. ومع ذلك، فإن التزام المنظمات التي تؤثر قراراتها في حياة الناس في جميع أنحاء العالم بالمساواة، يُعد أمراً جوهرياً؛ إذ لا ينبغي أن يقتصر انعكاس هذا الالتزام على السياسات التي تروّج لها، بل يجب أن يظهر أيضاً في بيئات العمل التي تمارس فيها نشاطها.
إن التمثيل لا يقتصر على الحضور فقط، بل يتعلق أيضاً بمن يقود المفاوضات، ويؤثر في النتائج النهائية. فقد تتمتع امرأة تجلس إلى طاولة المفاوضات بسلطة كبيرة، في حين قد يكون لرجل في القاعة نفسها تأثير محدود في قرار معين. ومع ذلك، عندما يظل تمثيل النساء ضعيفاً باستمرار في المناصب القيادية البارزة، فمن المنطقي التساؤل عمّا يعنيه هذا المشهد فيما يتعلق بتوزيع الإدارة.
وأخيراً، ثمة فرصة لقياس المساواة بين الجنسين بطريقة تتجاوز مجرد إحصاء أعداد النساء المشاركات. فرغم تزايد مشاركة المرأة في العديد من المجالات المهنية والمحافل الدولية، فإن الصورة لا تزال غير واضحة في ما يتعلق بتمثيلها في المناصب القيادية، لا سيما تلك التي تُتخذ فيها القرارات.
ومن الخطوات العملية في هذا الصدد اعتماد "مؤشر للمشاركة القائمة على النوع الاجتماعي"، على غرار النهج الذي يتبعه المنتدى الاقتصادي العالمي لرصد الأثر البيئي لفعالياته؛ إذ يجمع المنتدى بيانات حول وسائل النقل التي يستخدمها المشاركون، والمسافات التي يقطعونها، وخططهم للحد من الانبعاثات.
كما يمكن للمؤسسات الدولية تطبيق نهج مماثل في ما يتعلق بالمساواة بين الجنسين، من خلال تتبّع تمثيل النساء في المناصب القيادية العليا، وأدوار صنع القرار، ومشاركتهن في المفاوضات، ومدى تأثير إسهاماتهن في تشكيل النتائج النهائية. ومن شأن النشر الدوري لهذه المؤشرات أن يسهم في نقل النقاش إلى ما هو أبعد من مجرد أعداد الحاضرين، وأن يقدّم رؤية أوضح بشأن مدى ترجمة زيادة المشاركة إلى تأثير ملموس.
فإذا كانت المؤسسات الدولية تسعى إلى تحقيق الاستدامة، فلا بد أن تكون المساواة بين الجنسين أحد المؤشرات التي يُقاس بها التقدم نحوها. لهذا، فالاستدامة الحقيقية لا تقتصر على الالتزامات المعلنة، بل تتطلب تغييراً ملموساً في توزيع فرص القيادة والسلطة، بما يضمن للمرأة مشاركة فاعلة وتأثيراً حقيقياً في صنع القرار. فإذا كانت المؤسسات الدولية تسعى إلى تحقيق الاستدامة، فلا بد أن تكون المساواة بين الجنسين أحد مؤشرات قياس التقدم نحوها.
باحثة أكاديمية، عميد مساعد في كلية إدارة الأعمال