الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
32°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
لا أكتب انتظاراً للتصفيق
play icon
كل الآراء

لا أكتب انتظاراً للتصفيق

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
فاطمه اليوسف

أحياناً ينتابني سؤال يشبه العتاب، فأجدني أتوقف أمامه طويلاً: لمن أكتب، وهناك من لا يقرأ، ولماذا أبذل كل هذا الجهد في صياغة فكرة، وانتقاء كلمة، ومراجعة جملة، إذا كان بعض الناس يكتفون بعنوان المقالة، ثم يمضون إلى غيره كأن شيئاً لم يكن؟

هذا السؤال يرافقني منذ سنوات، وربما لأن علاقتي بالكتابة أقدم من مهنتي الصحافية، وأعمق من أن تختصرها صفحة في صحيفة، أو عدد من القراءات والتعليقات.

في مراهقتي، حين كنت ذات أربعة عشر ربيعاً، كتبت الكثير والكثير للمسرح المدرسي. كنت أجد في تأليف النصوص، وصناعة الحوارات متعة خاصة، وكانت مدرساتي يقلن لي إنني سأصبح كاتبة. بقيت كلماتهن في ذاكرتي، ومضت السنوات، وكبر ذلك الشغف معي، إلى أن أصبحت الكتابة جزءاً من حياتي، وعملي الصحافي.

لم تتغير علاقتي بالكلمات، وإن تغيرت الموضوعات واتسعت التجربة. مازلت أمضي وقتاً في البحث عن العبارة التي تشبه فكرتي، وأعود إلى النص لأراجع ما كتبت، وأحذف وأضيف، لأنني أريد للكلمة أن تصل بمعناها، وأن تحمل شيئًا من قناعتي ونظرتي إلى الحياة.

أنا لا أكتب انتظاراً للتصفيق، ولا أطلب من القارئ أن يتفق معي في كل ما أقول. لكنني أؤمن أن المقالة تستحق أن تُقرأ قبل أن يُحكم عليها، وأن الاختلاف الحقيقي يبدأ من فهم الفكرة، لا من إطلاق رأي بشأنها، قبل معرفة مضمونها. فما قيمة النقاش إذا كان أحد طرفيه لم يقرأ ما يناقشه أصلاً؟

ما يؤسفني أن بعضنا بات يستعجل الحكم، ويكتفي بعنوان أو سطر مقتطع، ثم يمضي واثقاً من رأيه. والقراءة، في نظري، تحتاج إلى صبر واحترام لعقل الكاتب والقارئ معاً؛ فهي تمنحنا فرصة لفهم ما يختلف عنا، ومراجعة ما نؤمن به، واكتشاف أفكار ربما لم تخطر لنا من قبل.

ومع ذلك، لا أقيس قيمة ما أكتب بعدد القراءات وحده. فقد تصل مقالة إلى قارئ واحد، فيجد فيه ما يلامس تجربته، أو تفتح أمامه باباً للتفكير. وقد تبقى كلمة في الذاكرة سنوات، بينما تُنسى كلمات كثيرة حظيت باهتمام عابر. وهذا ما يجعلني أؤمن أن أثر الكتابة لا يمكن حسابه بالأرقام وحدها.

وحين أسأل نفسي اليوم: لمن أكتب؟ أتذكر تلك الفتاة التي كانت في الرابعة عشرة، تكتب للمسرح المدرسي، وتسمع من مدرساتها أنها ستصبح كاتبة. أتذكر البدايات التي صنعت علاقتي بالكلمة، وأدرك أنني لا زلت أكتب وفاءً لذلك الشغف، الذي رافقني طوال هذه السنوات.

لا أكتب انتظاراً للتصفيق، لكنني أتمنى أن تُقرأ كلماتي قبل أن تُحاكم، وأن يُمنح ما أكتبه فرصة عادلة للوصول. فبين من يصفّق لك وبين من يقرؤك بصدق فرق كبير؛ قد ينتهي التصفيق في لحظته، لكن فكرة واحدة تصل إلى عقل إنسان قد تبقى معه عمرًا كاملاً.

كاتبة بحرينية

آخر الأخبار