مرايـا الروح
"كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".
"فكلُّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيّته، وكلُّ صاحبِ أمانةٍ مسؤولٌ عمّا استُرعي عليه؛ فالتربية ليست كلماتٍ تُقال، بل قدوةٌ تُمارَس، ومسؤوليةٌ تُحمَل، وأثرٌ يمتدّ في النفوس والمجتمعات. ومن قصّر في أمانته، سيرى انحراف البوصلة في الأجيال، حينها لن ينفعه الندم، ولن تُجديَه الحسرة؛ فقد حان وقت حصاد ما زرع".
ليست المجتمعات إلا ترجمة لما تتشرّبه من قيم، وما تتلقّاه من تربية، وتعيشه من بيئات تُشكّل وعيها، وتوجّه سلوكها. فالإنسان لا ينشأ في فراغ، ولا تتكوّن شخصيته بمعزل عمّا يراه ويسمعه، ويعايشه؛ بل تتشكّل ملامح روحه وفكره، وأخلاقه، من خلال القدوات التي تحيط به، والبيئة التي تحتضنه، والقيم التي ينشأ عليها.
وحين يفسد الراعي، لا يقف أثر الفساد عند حدود شخصه، بل يمتدّ إلى من يسترشدون به، ويتّخذون من سلوكه معياراً، ومن أفعاله رسالةً غير معلنة، عمّا هو مقبول او مرفوض. فالمسؤولية ليست في الموقع وحده، بل في الأثر الذي يتركه صاحبه في النفوس والعقول.
فالقدوة ليست كلمات تُقال، بل سلوك يُرى، ومواقف تُختبر، وقيم تُترجم إلى أفعال.
وما أخطر أن ينشأ جيل يرى التناقض بين ما يُقال وما يُمارس؛ يسمع حديثاً عن الأخلاق، ثم يشاهد انتهاكها، ويتلقّى دروساً في الاحترام، ثم يرى الإساءة تُكافأ، ويُطالَب بالصدق بينما يُصفَّق للمزيّف المتملق، ويُعلَّم أن الاجتهاد طريق النجاح، ثم يرى التافه يتصدّر المشهد، لمجرد قدرته على إثارة الجدل وجذب الأنظار.
هنا تبدأ الأزمة الحقيقية؛ حين تختلّ المعايير، وتضطرب البوصلة، ويصبح الخطأ مألوفاً لكثرة تكراره، وتتحوّل الرداءة إلى نموذج يُحتذى، فيما يُدفع أصحاب الوعي والخلق إلى الهامش.
إنّ البيئة ليست جدراناً نعيش بينها، بل منظومة الأفكار والعلاقات والممارسات التي تتسرّب إلى وعينا بصمت. فالبيت الذي يغيب عنه الحوار، والمدرسة التي تُهمّش القيم، والمجتمع الذي يألف التجاوزات، والسلوك المشين حتى يفقد القدرة على استقباحها، ويصمت عن الخطأ حتى يفقد استنكاره، والمنصّات التي تمنح الشهرة للتافهين المبتذلين، على حساب أصحاب الفكر والوعي والقيمة، جميعها تسهم، بدرجات متفاوتة، في تشكيل إنسان الغد.
وليس من العدل أن نطالب أبناءنا بالاستقامة، ثم نتركهم في بيئات تُزيّن لهم الانحلال القيمي، ونُحيطهم بنماذج تُكافئ الابتذال، ولا أن ننتظر منهم وعياً ناضجاً، ونحن نغذّي عقولهم بالتفاهة، ونتركهم أسرى لمشاهد تُفرغ المعنى من قيمته.
فالتربية ليست ما نلقّنه أبناءنا فقط، بل ما نكونه أمام أعينهم كل يوم. نوجّههم ونحصّن وعيهم بالقيم، قبل أن تستدرجهم دروب التيه، وتُعيد تشكيل وعيهم بيئاتٌ لا تشبه ما نطمح إلى غرسه في نفوسهم.
ومن هنا، فإن إصلاح المجتمع لا يبدأ بمحاسبة الأجيال وحدها، بل بمراجعة القدوات، وتصحيح البيئات، وإعادة الاعتبار إلى المسؤولية الأخلاقية.
ومع ذلك، لا يجوز أن نختزل الاختلال الأخلاقي في المجتمع في شخص واحد، أو نحمّل الراعي وحده كل المسؤولية؛ فالمجتمعات تتأثر بتداخل عوامل كثيرة، وتظلّ مسؤولية الإصلاح مشتركة بين الأسرة، والمؤسسات، والإعلام، وأفراد المجتمع أنفسهم. لكنّ القدوة السيئة تظلّ أشدّ خطراً حين تصدر ممّن يُفترض أن يكونوا حماةً للقيم، وصُنّاعًا للوعي.
فالمجتمعات لا تنهض بكثرة الكلمات الرنّانة، بل بصدق الممارسات، وحين يستقيم الراعي، لا يضمن ذلك وحده استقامة الرعيّة، لكنه يضع أمامها الطريق الصحيح؛ وحين تتكامل القدوة مع التربية والبيئة العادلة، يصبح الإصلاح ثقافةً تنتقل من جيل إلى جيل، لا شعاراً يُرفع ثم يُنسى.
فالأجيال لا تفسد فجأة، والقيم لا تنهار في يوم واحد؛ إنما يبدأ الخلل حين تتراجع القدوة، وتضعف التربية، ويُترك الخطأ بلا تصحيح، حتى يصبح ما كان مستنكراً بالأمس سلوكاً عادياً اليوم. فالأمم لا تُقاس بما تملكه من إمكانات، بل بما تغرسه في نفوس أبنائها من قيم؛ فإمّا أن نصنع جيلاً يحمل مسؤولية المستقبل، وإمّا أن نترك المستقبل يدفع ثمن تهاوننا في أداء مسؤوليتنا.
كاتبة كويتية