الأربعاء 21 أكتوبر 2026
31°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
قانون التحكيم الكويتي الجديد... نقلة تشريعية تعزز ثقة المستثمر
play icon
طارق يوسف الشميمري
تقارير

قانون التحكيم الكويتي الجديد... نقلة تشريعية تعزز ثقة المستثمر

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
طارق يوسف الشميمري
يؤسس منظومة حديثة لتسوية المنازعات ويواكب التطور الخليجي والدولي
يمنح موقع الكويت قوة في خريطة التحكيم الإقليمي
تكمن أهمية القانون في توحيد الأحكام ضمن تشريع مستقل
القانون الجديد كرّس مبادئ أساسية مستقرة في التحكيم الدولي
أجاز استخدام وسائل الاتصال الحديثة في إدارة الخصومة
قانون الأونسيترال النموذجي يمثل مرجعاً تشريعياً استرشادياً
رسالة مهمة لمجتمع الأعمال الدولي أن الكويت تمضي نحو التطوير

في خطوة تشريعية مهمة تعكس توجه دولة الكويت نحو تحديث بيئتها القانونية والاستثمارية، صدر المرسوم بقانون رقم 120 لسنة 2026 بإصدار قانون التحكيم، بتاريخ 13 أكتوبر 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 18 أكتوبر 2026، ليشكل تحولاً في تنظيم التحكيم التجاري والاستثماري، ويضع الكويت أمام مرحلة جديدة من التوافق مع المعايير الدولية، والتشريعات الخليجية الحديثة.

وتكمن أهمية القانون في توحيد الأحكام المنظمة للتحكيم ضمن تشريع مستقل بعد أن كانت موزعة بين قانون المرافعات المدنية والتجارية والقانون رقم 11 لسنة 1995 بشأن التحكيم القضائي، بما يعزز وضوح الإجراءات واليقين القانوني، وهما من أهم الضمانات التي يبحث عنها المستثمر المحلي والأجنبي.

مستجدات تعزز كفاءة التحكيم

كرس القانون الجديد مبادئ أساسية مستقرة في التحكيم الدولي أبرزها استقلال اتفاق التحكيم عن العقد الأصلي، واختصاص هيئة التحكيم بالفصل في اختصاصها، واحترام إرادة الأطراف في اختيار المحكمين والإجراءات والقانون الواجب التطبيق.

كما اعترف باتفاقات التحكيم الإلكترونية، وأجاز استخدام وسائل الاتصال الحديثة في إدارة الخصومة وعقد الجلسات وتبادل المستندات والتوقيعات الإلكترونية ومنح هذه الإجراءات حجيتها القانونية.

ومن المستجدات المهمة تنظيم محكم الإجراءات الوقتية والتحفظية قبل تشكيل هيئة التحكيم، بما يتيح حماية الأصول والحقوق المستعجلة إلى جانب تنظيم المواعيد اللازمة لإصدار الأحكام، وتعزيز سرية الإجراءات وإلزام الأطراف بالإفصاح عن مصادر تمويل تكاليف التحكيم للحد من احتمالات تضارب المصالح.

وأفرد القانون أحكاماً لتنظيم مراكز التحكيم، وترخيصها والرقابة عليها ووضع ضوابط للتحكيم في عقود جهات الدولة، بما يحقق التوازن بين حماية الاستثمار، وصون المال العام.

ومن أبرز خصوصياته، أيضاً، ما قررته المادة 79 بشأن تصدي محكمة الاستئناف لموضوع النزاع عند الحكم ببطلان حكم التحكيم، مع مراعاة المادة 78، وهو تنظيم يستهدف عدم إهدار الوقت والنفقات.

التحكيم الكويتي وقانون الأونسيترال النموذجي

يقترب القانون الكويتي الجديد بدرجة كبيرة من المبادئ التي يقوم عليها قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي لعام 1985 المعدل سنة 2006، لا سيما استقلال اتفاق التحكيم وحرية الأطراف والاختصاص بالاختصاص، والمساواة الإجرائية، والتدابير الموقتة والرقابة القضائية على الأحكام.

غير أن هذا التقارب لا يعني التطابق الكامل، فالقانون الكويتي يتضمن أحكاماً وطنية خاصة بتنظيم مراكز التحكيم، والتحكيم القضائي، وعقود الدولة والسرية والإفصاح عن التمويل، فضلاً عن اختلافه في بعض آليات الرقابة القضائية، ودعوى البطلان.

ومن المهم التأكيد أن قانون الأونسيترال النموذجي يمثل مرجعاً تشريعياً استرشادياً، وليس اتفاقية دولية ملزمة، ولذلك فإن اختلاف بعض الأحكام الوطنية عنه لا ينفي توافقها مع مبادئه الأساسية.

قوانين التحكيم الخليجية… تطور تشريعي مستمر

شهدت دول "مجلس التعاون" الخليجي تطوراً متدرجاً في تشريعات التحكيم.

ففي المملكة العربية السعودية صدر نظام التحكيم بالمرسوم الملكي رقم34 بتاريخ 16 أبريل 2012، وهو الإطار التشريعي النافذ لاستمرار تحديث المنظومة القضائية والمؤسسات المرتبطة به.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة صدر القانون الاتحادي رقم 6 لسنة 2018 بشأن التحكيم، وعدّل بالمرسوم بقانون اتحادي رقم 15 لسنة 2023، بما يعكس اهتمام الدولة بتطوير بيئتها التحكيمية.

أما مملكة البحرين فأصدرت القانون رقم 9 لسنة 2015 بشأن التحكيم، الذي يتميز بتبنيه المباشر لقانون الأونسيترال النموذجي المعدل، ويُعد من التشريعات الخليجية الأكثر ارتباطاً ببنيته الدولية.

وفي دولة قطر صدر القانون رقم 2 لسنة 2017 بإصدار قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية، مستنداً إلى المبادئ الحديثة للتحكيم الدولي.

وفي سلطنة عُمان صدر قانون التحكيم بالمرسوم السلطاني رقم 47 لسنة 1997، وعُدّل بالمرسوم السلطاني رقم 3 لسنة 2007، مع استمرار العمل على تطوير المنظومة التشريعية والمؤسسية.

وبصدور القانون رقم 120 لسنة 2026، تكون الكويت قد انضمت إلى مسار التحديث التشريعي الخليجي بقانون مستقل يجمع بين المعايير الدولية والخصوصية الوطنية.

مراكز التحكيم التابعة للغرف التجارية تطور مؤسسي موازٍ

لم يقتصر التطور الخليجي على القوانين الوطنية، بل امتد إلى لوائح التحكيم لدى الغرف التجارية والمراكز المتخصصة.

ففي الكويت تأسس مركز الكويت للتحكيم التجاري التابع لغرفة تجارة وصناعة الكويت سنة 1999.

وفي السعودية يبرز المركز السعودي للتحكيم التجاري، الذي أصدر قواعده الحديثة النافذة في مايو 2023، بوصفه مؤسسة وطنية متخصصة في إدارة المنازعات التجارية، وفي الإمارات تتعدد المؤسسات التحكيمية، ومنها مركز دبي للتحكيم الدولي بقواعده لعام 2022، ومركز أبوظبي الدولي للتحكيم بقواعده لعام 2024، إلى جانب مركز الشارقة للتحكيم التجاري الدولي، وفي البحرين تعمل غرفة البحرين لتسوية المنازعات وفق قواعد التحكيم المحدثة لعام 2022، بينما يتولى مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم التابع لغرفة قطر إدارة المنازعات وفق قواعده المحدثة النافذة منذ يناير 2025، أما سلطنة عُمان، فقد شهدت تطوراً مؤسسياً من خلال مركز عُمان للتحكيم التجاري، الذي حدّث قواعده سنة 2026 بموجب القرار رقم 3 لسنة 2026، متضمناً تطوير إجراءات التحكيم المعجل والرقمنة والإفصاح عن التمويل.

وتؤكد هذه التطورات أن المنافسة الخليجية في مجال التحكيم أصبحت تشمل جودة القواعد المؤسسية وكفاءة إدارة المنازعات، إلى جانب تحديث التشريعات الوطنية.

مركز التحكيم الخليجي نحو نظام جديد

وفي إطار الحديث عن تطور التحكيم الخليجي، تبرز الأهمية الخاصة لمركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي أُنشئ بقرار المجلس الأعلى لقادة دول المجلس في دورته الرابعة عشرة بالرياض سنة 1993، واتخذ من مملكة البحرين مقراً له ليكون مؤسسة خليجية مشتركة لتسوية المنازعات التجارية.

ومن واقع تجربتي خلال عملي أميناً عاماً للمركز، ومنذ عام 2021، فقد عملت على مراجعة وتعديل النظام القانوني المنظم لعمل المركز وذلك بهدف تحديث أحكامه وتطوير آليات عمله بما يواكب التحولات التي شهدها التحكيم التجاري الدولي ويعزز دوره في خدمة التجارة والاستثمار بين دول "مجلس التعاون"، ومن المرتقب استكمال المسار المؤسسي لإصدار نظام جديد للمركز بعد عرضه على وزراء دول "مجلس التعاون" الخليجي، واستيفاء إجراءات اعتماده من المجلس الأعلى لقادة دول المجلس.

ويمثل هذا التوجه خطوة مهمة نحو تطوير الإطار القانوني للتحكيم الخليجي المشترك وتعزيز مكانة المركز بوصفه مؤسسة إقليمية قادرة على التعامل مع المنازعات التجارية والاستثمارية العابرة للحدود.

كما أن تحديث نظام المركز بالتوازي مع تطور التشريعات الوطنية من شأنه تعزيز التكامل القانوني الخليجي، وتوفير بيئة أكثر انسجاماً للمستثمرين والمتعاملين في أسواق دول المجلس.

الكويت… من تحديث التشريع إلى تعزيز الثقة

إن صدور قانون التحكيم الكويتي الجديد لا يمثل مجرد إضافة إلى المنظومة التشريعية، إنما خطوة نحو بناء بيئة استثمارية أكثر وضوحاً وقدرة على تسوية المنازعات بكفاءة.

غير أن نجاح هذا القانون سيظل مرتبطاً بكفاءة تطبيقه واستقلال المؤسسات التحكيمية وتخصص القضاء وسرعة تنفيذ الأحكام وتأهيل المحكمين وتطوير اللوائح والإجراءات، فالمستثمر لا يبحث فقط عن فرص اقتصادية واعدة، إنما عن منظومة قانونية يستطيع من خلالها توقع المخاطر وحماية الحقوق وحسم النزاعات بوسائل عادلة وفعالة.

ومن هنا فإن قانون التحكيم رقم 120 لسنة 2026 يقدم رسالة مهمة إلى مجتمع الأعمال الدولي بأن الكويت تمضي نحو تطوير منظومتها القانونية بما يواكب المعايير الدولية ويعزز تنافسيتها الاقتصادية ومكانتها في خريطة التحكيم الخليجي، فالتشريع الحديث يؤسس للثقة وإن كفاءة تطبيقه هي التي تحول هذه الثقة إلى استثمار مستدام ومكانة اقتصادية راسخة لدولة الكويت يضعها في مصاف الدول المتقدمة في مجال الاستثمار والتحكيم الدولي.

قانون التحكيم الكويتي الجديد... نقلة تشريعية تعزز ثقة المستثمر
play icon
غرفة التجارة والصناعة (من الارشيف)

آخر الأخبار