يأتي التطوير العقاري اليوم في مرحلة مهمة وحساسة بالنسبة إلى القضية الإسكانية في دولة الكويت، في ظل تزايد الطلبات الإسكانية ووجود أعداد كبيرة من الأسر التي تنتظر الحصول على المسكن المناسب. وأصبحت الحاجة ملحة إلى تطوير آليات جديدة تساهم في تسريع توفير المساكن وتحقيق التوازن بين احتياجات المواطنين وإمكانات الدولة وقدرات القطاع الخاص.
فلم يعد الموضوع يقتصر على توفير الأراضي والقسائم السكنية فقط، بل أصبح يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين التخطيط السليم والتمويل والتنفيذ والجودة وتنوع الخيارات السكنية، بما يتناسب مع احتياجات الأسرة الكويتية.
القانون رقم 118 لسنة 2023... خطوة لإشراك القطاع الخاص
من هذا المنطلق، جاءت مجموعة من التشريعات التي تستهدف تطوير المنظومة الإسكانية في الكويت، وكان من أبرزها القانون رقم 118 لسنة 2023 بشأن تأسيس شركات إنشاء مدن أو مناطق سكنية وتنميتها اقتصادياً، والذي جاء ليدخل القطاع الخاص في المنظومة الإسكانية بصورة مباشرة، ويمنحه دوراً مهماً في تطوير المشاريع السكنية من خلال تأسيس شركات متخصصة تتولى تنفيذ المشاريع وفق أطر قانونية واضحة.
وقد مثّل هذا القانون خطوة مهمة في مسار معالجة القضية الإسكانية، من خلال الاستفادة من قدرات القطاع الخاص الفنية والمالية والإدارية، وتوزيع الأدوار بين الجهات الحكومية والشركات المطورة، بما يساهم في تسريع الإنجاز وتحسين كفاءة تنفيذ المشاريع.
المطور العقاري شريك في المشروع من التخطيط حتى التسليم
جاء القانون بعد دراسات تهدف إلى تطوير أسلوب تنفيذ المشاريع الإسكانية والاستفادة من خبرات المطورين العقاريين في التخطيط والتصميم والتمويل والتنفيذ وإدارة المشاريع.
فالمطور العقاري ليس مجرد جهة تتولى البناء، بل هو شريك في تطوير المشروع من بدايته حتى تسليمه، من خلال إعداد الدراسات الاقتصادية واختيار الحلول المناسبة وإدارة التكاليف ومتابعة التنفيذ والالتزام بالمواصفات الفنية ومواعيد التسليم. وهذه المنظومة، إذا ما طُبقت بالشكل الصحيح، يمكن أن تساهم في إحداث نقلة نوعية في أسلوب توفير الرعاية السكنية .
المرسوم بقانون رقم 89 لسنة 2025... مرونة أكبر وخيارات أوسع
مع أهمية القانون رقم 118 لسنة 2023 في وضع الإطار التشريعي لدخول القطاع الخاص في تطوير المدن والمناطق السكنية، ظهرت الحاجة إلى مزيد من المرونة في التطبيق وتوسيع الخيارات المتاحة أمام المواطنين، بما يتناسب مع اختلاف احتياجاتهم وأحجام أسرهم وقدراتهم المالية.
ومن هنا جاء المرسوم بقانون رقم 89 لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام القانون، ليعطي مساحة أوسع لتطبيق منظومة التطوير العقاري، ويتيح تنوعاً أكبر في المنتجات السكنية، ويساهم في تسهيل تنفيذ المشاريع وتسريع إنتاج المساكن.
القسائم والبيوت والشقق والفلل المتلاصقة ضمن الخيارات السكنية
كان من أبرز ما جاء به التعديل توسيع الخيارات السكنية لتشمل القسائم السكنية، والبيوت الجاهزة، والشقق السكنية الجاهزة، والفلل المتلاصقة، والمجمعات السكنية متعددة الاستعمالات، والمجمعات السكنية المغلقة المعروفة باسم "الكامباوند"، إلى جانب وحدات الدوبلكس.
ويمثل هذا التنوع خطوة مهمة في تطوير مفهوم الرعاية السكنية، لأن احتياجات الأسر الكويتية ليست واحدة، كما أن المسكن الذي يناسب أسرة كبيرة قد لا يناسب أسرة صغيرة من حيث المساحة والتكلفة وطبيعة الاستخدام.
تنوع المنتجات يمنح المواطن فرصة لاختيار المسكن المناسب
تأتي أهمية التعديل في إتاحة الفرصة أمام المواطن لاختيار المسكن الذي يتناسب مع احتياجات أسرته وميزانيته، بدلاً من حصر الخيارات في نمط سكني واحد.
فهناك من يفضل القسيمة السكنية لبناء منزل وفق احتياجاته، وهناك من يبحث عن بيت جاهز يستطيع الانتفاع به في وقت أقصر، فيما قد تجد أسر أخرى في الشقق السكنية أو الفلل المتلاصقة أو وحدات الدوبلكس خياراً مناسباً من حيث التكلفة والمساحة.
وبذلك يصبح التطوير العقاري أكثر ارتباطاً بالاحتياجات الفعلية للمواطنين، وأكثر قدرة على تقديم حلول سكنية متنوعة.
الفرق بين القانون الأصلي والتعديل
يتمثل الفرق بين القانون رقم 118 لسنة 2023 والمرسوم بقانون رقم 89 لسنة 2025 في أن القانون الأصلي وضع الأساس التشريعي لإشراك القطاع الخاص في إنشاء المدن والمناطق السكنية وتنميتها اقتصادياً، بينما جاء التعديل ليمنح مرونة أكبر في التنفيذ، ويوسع نطاق الخيارات السكنية، ويتيح الاستفادة من أحكام القانون في نطاقات ومشاريع مختلفة وفقاً للضوابط المعتمدة.
وبالتالي، لم يعد التطوير مرتبطاً فقط بفكرة إنشاء مدينة سكنية كبيرة، بل أصبح بالإمكان تطبيق المنظومة على مشاريع ومناطق أخرى متى توافرت الشروط والدراسات اللازمة.
توسيع نطاق الاستفادة من خبرات المطورين العقاريين
كما أتاح التعديل مجالاً أوسع أمام المؤسسة العامة للرعاية السكنية للاستفادة من أحكام القانون في المدن والمناطق السكنية أو غير السكنية، أو أجزاء من المدن التي نفذتها المؤسسة، أو بعض الأراضي التي يحددها مجلس إدارتها وفقاً للأحكام المنظمة.
ويمكن لهذا التوجه أن يفتح المجال أمام الاستفادة من خبرات المطورين العقاريين في تطوير المشاريع القائمة أو أجزاء منها، ويساعد على تنويع أساليب التنفيذ بدلاً من الاعتماد على نموذج واحد للمشاريع الإسكانية.
تسريع توفير المساكن يتطلب وضوح المسؤوليات والالتزام بالجداول الزمنية
لا تكمن أهمية هذه التعديلات في تعدد الخيارات السكنية فحسب، بل في إمكانية الاستفادة منها لتسريع توفير المساكن، وتوسيع قاعدة المستفيدين، وتحقيق كفاءة أكبر في استغلال الأراضي والموارد المتاحة.
حلول إسكانية مستدامة
في النهاية، يمثل القانون رقم 118 لسنة 2023 والمرسوم بقانون رقم 89 لسنة 2025 خطوة مهمة في تطوير المنظومة الإسكانية في الكويت، من خلال توسيع دور القطاع الخاص، وتنويع الخيارات السكنية، ومنح مرونة أكبر في تنفيذ المشاريع.
$ باحث ومستشار العقاري