حين يصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الكويت، بينما تواجه بلاده ضغوطاً معيشية واقتصادية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: كيف نحول حاجة أوروبا إلى الطاقة والاستثمار والاستقرار إلى شراكة تحفظ مصالحنا وتبني مستقبل أبنائنا؟ فالفرص الكبرى تحتاج إلى رؤية تصل إلى المصنع والجامعة، والمستشفى، والمشروع الصغير، وتجعل أموالنا شريكاً في الإنتاج، والمعرفة والتأثير.
في رسالتنا إلى قادة الخليج وحكوماته بمناسبة القمة الخليجية - الأوروبية في بروكسل عام 2024، دعونا لتوسيع التعاون الاقتصادي والتعليمي والأمني، وطرحنا "مشروع الألف" للاستثمار في المشروعات الصغيرة الأوروبية، واليوم تمنحنا التطورات فرصة لتحويله إلى برنامج عملي، يبدأ من الكويت، ويتسع بمشاركة دول الخليج، ويربط العلاقات الرسمية بمصالح يعيشها الناس يومياً.
تقوم الفكرة على إنشاء صندوق سيادي متخصص في كل دولة خليجية، يخصص مليار يورو للاستثمار في كل دولة أوروبية مستهدفة، لبناء محفظة من ألف مشروع صغير ومتوسط فيها، بدءاً بفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال، ثم التوسع تدريجياً إلى بقية الدول الأوروبية، وفق الجدوى والفرص.
وتطبيق المشروع في 30 دولة يعني 30 ألف مشروع لكل دولة خليجية، ومخصصات مستهدفة تبلغ ثلاثين مليار يورو، تُضخ على مراحل، بمتوسط مليون يورو للمشروع، مع اختلاف التمويل وفق النشاط وحجم الحصة، وتوجيهه إلى المطاعم والمخابز والمتاجر والفنادق الصغيرة، وورش الصيانة والخدمات الصحية والتقنية، والمصانع، عبر شراكات تدعم أصحابها وتطور أعمالهم.
هنا يصل المال الخليجي إلى حياة المواطن الأوروبي مباشرة، ويضيف إيرادات للدولة المضيفة، وفي المقابل يحقق عائداً للمستثمر الخليجي، ويفتح لأبنائنا فرص التدريب والعمل والإدارة، وريادة الأعمال، ضمن برامج تنقل الخبرة إلى أوطانهم.
وحين ترتبط آلاف الأسر والشركات والبلديات بمشروعات ناجحة يشارك فيها الخليج، تتسع قاعدة المصالح المشتركة، ويزداد وزن العلاقة معنا في النقاش الاقتصادي والسياسي الأوروبي، فالنفوذ المستدام ينمو من الثقة والمنفعة المتبادلة، وهذه الشراكات تعزز قدرتنا على إيصال مطالبنا والدفاع عن مصالحنا، وكسب التأييد لأمننا واستقرارنا، دون ضمان آلي لمواقف الحكومات.
وبالتوازي، ينبغي توجيه الصناديق السيادية العامة إلى شراء حصص مؤثرة في شركات الطاقة والمصانع والتكنولوجيا الكبرى، مع حقوق مشاركة في الإدارة، وربط الاستثمار بنقل المعرفة وفتح خطوط إنتاج في الخليج، لتسهم أموالنا المستثمرة في الخارج في تطوير اقتصادنا الداخلي.
وفي التعليم، ندعو بوضوح إلى شراء الجامعات والمعاهد الأوروبية العريقة المتاحة للتملك، والدخول بشراكات مباشرة، والاستثمار في مرافقها، وأبحاثها وبرامجها، وفق أنظمتها، وبما يصون استقلالها الأكاديمي، فهذه مؤسسات تمتلك خبرات وسمعة وشبكات علمية يمكن أن تفتح لأبنائنا آفاقاً واسعة في التعليم والتدريب والابتكار.
ولماذا نستمر في دفع رسوم الدراسة وحدها، ولدينا القدرة على المشاركة في ملكية المؤسسات التي يتعلم فيها أبناؤنا؟ المطلوب أن نجمع عائد الاستثمار بتطوير تعليمنا، وافتتاح فروع لهذه الجامعات والمعاهد في الخليج، وتأهيل المعلمين والمهندسين والأطباء، وربط البحث العلمي بحاجاتنا، واستقطاب العلماء والأساتذة، وتبادل الخبرات.
وفي الصحة، ينبغي تخصيص استثمارات لشراء المستشفيات الكبرى المتاحة للاستحواذ، أو حصص مؤثرة فيها، والدخول بشراكات مباشرة، بحيث يصبح علاج مرضانا هناك خدمة نستفيد منها، ونشارك في عائدها الاقتصادي، وفق الحاجة الطبية وجودة العلاج، مع فتح فروع لها في الخليج، ونقل خبراتها وأنظمتها، وتدريب كوادرنا، وصولاً إلى توطين علاجات متقدمة وتقليل مشقة السفر على المرضى وأسرهم.
وفي النقل، تشمل الرؤية شراء شركات الطيران الكبرى أو حصص مؤثرة فيها، والاستثمار في شراء المطارات، وشركات تشغيلها أو امتيازات إدارتها حيث تسمح الأنظمة، إلى جانب الموانئ والشحن، بما يربط الخليج بشبكات السفر والتجارة العالمية، ويعزز السياحة والخدمات اللوجستية، وينقل خبرات التشغيل والصيانة والإدارة إلى مؤسساتنا الوطنية.
ولنجاح هذه الرؤية، تبدأ الحكومات بمحافظ تجريبية، وتختار إدارات محترفة وشركاء موثوقين، وتقيس العائد والوظائف، والمعرفة المنقولة، ثم تتوسع وفق النتائج، مع الالتزام بالموافقات التنظيمية، ومنع تضارب المصالح، والتنسيق الخليجي في الملفات المشتركة، فالأموال السيادية أمانة للأجيال، ويجب أن يجمع استثمارها بين الربحية والقيمة التنموية.
زيارة ماكرون فرصة لطرح السؤال الأكبر: ماذا نريد من أوروبا خلال العشرين سنة المقبلة؟
الكويت تستطيع أن تبادر، والخليج يستطيع أن يبني حضوراً اقتصادياً ومعرفياً واجتماعياً أوسع، فلنطلق "مشروع الألف"، ونربط مصالحنا بمصانع أوروبا وجامعاتها ومستشفياتها ومطاراتها وحياة شعوبها، حتى يصبح ازدهارنا المشترك قوة تدعم أمننا ومكانتنا ومستقبل أجيالنا.