الخميس 22 أكتوبر 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
البلاغ الكاذب... حين يتحول حق الشكوى جريمة
play icon
كل الآراء

البلاغ الكاذب... حين يتحول حق الشكوى جريمة

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 22 أكتوبر 2026
عواطف الدوسري

تُعد الشكوى من أهم الوسائل القانونية التي كفلها المشرّع للأفراد للدفاع عن حقوقهم، والإبلاغ عن الجرائم، وطلب تدخل الجهات المتخصصة لحماية المصالح المشروعة. إلا أن هذا الحق، على أهميته، ليس مطلقاً، ولا يجوز اتخاذه وسيلة للإضرار بالآخرين، أو النيل من سمعتهم، أو الزج بهم في إجراءات جزائية استناداً إلى وقائع يعلم مقدم الشكوى بعدم صحتها.

ومن هنا، حرص المشرّع الكويتي على تجريم البلاغ الكاذب، تحقيقاً للتوازن بين حق الأفراد في اللجوء إلى السلطات العامة، وضرورة حماية الأشخاص من الاتهامات الباطلة.

أولاً: متى تتحول الشكوى إلى بلاغ كاذب؟

نظّم قانون الجزاء الكويتي هذه الجريمة بموجب المادة 145، التي تقضي بمعاقبة كل من يقدم إلى موظف عام مختص باتخاذ الإجراءات الناشئة عن ارتكاب الجرائم بلاغاً كتابياً أو شفوياً، يتضمن إسناد واقعة تستوجب العقاب إلى شخص لم تصدر منه، مع علم مقدم البلاغ بعدم صحة ما أبلغ به، بالحبس مدة لا تجاوز سنتين، وبغرامة لا تجاوز ألفي روبية، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

ويُستفاد من هذا النص أن جريمة البلاغ الكاذب لا تقوم لمجرد عدم ثبوت الاتهام، أو انتهاء التحقيق بالحفظ أو صدور حكم بالبراءة، إنما يتعين التحقق من توافر أركانها القانونية، وفي مقدمتها إسناد واقعة تستوجب العقاب إلى شخص لم يرتكبها، وثبوت علم المبلّغ بكذب ما أسنده إليه. فالفارق جوهري بين شكوى لم يثبت دليلها، وبلاغ تعمد صاحبه اختلاقه، أو تقديمه رغم علمه بعدم صحته.

كما أكد المشرّع أن العقوبة تُطبق ولو كان الموظف الذي تلقى البلاغ غير مختص باتخاذ الإجراءات بشأن الواقعة المبلغ عنها تحديداً، أو لم تُتخذ أي إجراءات فعلية بناءً على البلاغ، بما يكشف عن أن التجريم يستهدف السلوك ذاته، وما ينطوي عليه من تضليل للسلطات، وليس مجرد النتائج التي ترتبت عليه.

ثانيًا: الإزعاج الكاذب للسلطات العامة جريمة مستقلة

لم يقف تدخل المشرّع عند حدود إسناد الجرائم إلى الأبرياء، بل امتد إلى تجريم الإبلاغ الكاذب عن الكوارث والحوادث، والأخطار غير الموجودة. فقد نصت المادة "145 مكرراً 1"، المضافة بموجب القانون رقم 9 لسنة 1985، على معاقبة كل من يزعج إحدى السلطات العامة أو الجهات الإدارية، أو الأشخاص المكلفين بخدمة عمومية، بإخطارهم، بأي طريقة كانت، عن وقوع كوارث أو حوادث أو أخطار لا وجود لها، بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، وبغرامة لا تزيد على ألف دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

كما أوجبت المحكمة الحكم بالمصاريف التي تسبب فيها هذا الإزعاج.

ويختلف نطاق هذا النص عن المادة 145، إذ يستهدف الإبلاغ الكاذب الذي يؤدي إلى إشغال السلطات العامة بأحداث، أو أخطار وهمية، بما قد يستنزف مواردها، ويعطلها عن أداء مهامها الحقيقية.

ثالثاً: شكوى البلاغ الكاذب وضرورة إثبات القصد الجنائي.

عند التقدم بشكوى عن بلاغ كاذب، لا يكفي الاكتفاء بالقول إن الاتهام السابق غير صحيح، بل ينبغي بيان الواقعة محل البلاغ، وأوجه كذبها، والأدلة والقرائن التي تكشف علم المبلّغ بحقيقتها، مع إرفاق ما يتوافر من مستندات أو مراسلات أو أحكام أو محاضر رسمية تدعم الشكوى.

وتظل مسألة توافر القصد الجنائي خاضعة لتقدير جهة التحقيق والمحكمة المختصة وفقًا لظروف كل واقعة وأدلتها، فلا يجوز افتراض سوء النية لمجرد عدم صحة الادعاء أو تعذر إثباته.

ختاماً، فإن تجريم البلاغ الكاذب لا يستهدف تقييد حق الأفراد في الشكوى، إنما حماية هذا الحق من إساءة استعماله. فالقانون يفتح أبوابه أمام من يطلب الإنصاف، لكنه لا يجيز تحويل الشكوى إلى أداة للانتقام، أو التشهير، أو الإضرار بالآخرين. وبين الحق في الإبلاغ والمسؤولية عن الكذب، تبقى الحقيقة هي الأساس الذي تقوم عليه العدالة، ويظل احترام القانون الضمانة الحقيقية لصون الحقوق والحريات.

محامية كويتية

آخر الأخبار