الجمعة 23 أكتوبر 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
من يملأ الفراغ... من 'أسرجوا خيولكم' إلى 'البسوا بشوتكم'!
play icon
كل الآراء

من يملأ الفراغ... من "أسرجوا خيولكم" إلى "البسوا بشوتكم"!

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 22 أكتوبر 2026
عبدالعزيز محمد العنجري

قد يكون من المفيد تأمل النتائج غير المقصودة لبعض التحولات الاجتماعية الكبرى، بعيداً عن المواقف المؤيدة لها أو المعارضة.

خلال مأدبة عشاء في منزل شخصية أجنبية في الكويت، وبحضور وفد زائر، فوجئت أن بعض الضيوف يتابعون باستغراب ظاهرة متزايدة على مواقع التواصل، ويتساءلون عن أسبابها.

مقاطع قصيرة لشيوخ وشخصيات اجتماعية ينزلون من سياراتهم، أو يدخلون ديوانية، بتصوير بطيء ترافقه أغانٍ تتغنى بالهيبة والشجاعة وجمال العيون. وقد يكون صاحب المقطع شاباً في العشرين، أو رجلاً تجاوز السبعين. حتى إن إحدى الضيفات تساءلت إن كانت هذه وسيلة للتعريف بالنفس بغرض الزواج؟

ضحكت، وحين سألتني الضيفة عن تفسيري لهذه الظاهرة، قلت لها إنني لا أملك تفسيراً قاطعاً، لكن ربما يكون للأمر علاقة بالفراغ الذي طرأ على المشهد العام في الكويت؛ فبلد اعتاد ضجيج نحو خمسين نائباً، ومئات الخدمات الإخبارية، والتصريحات، والشخصيات المتنافسة على الاهتمام، يعيش اليوم واقعاً مختلفاً.

وأضفت أن حملة مكافحة الفساد، وما رافقها من أحكام قضائية طالت شخصيات كانت تتمتع بنفوذ ووجاهة، ربما أسهمت بدورها في إعادة تشكيل دوائر النفوذ التقليدية، وتركت مساحة لحضور وجوه جديدة.

ولعل اجتماع هذه التحولات أفسح المجال لنمط من الظهور يقوم على تقديم الشخص باعتباره حدثاً، لا باعتباره صاحب إنجاز يستحق التغطية.

فلسنا أمام شخص ألقى ورقة في مؤتمر دولي، أو قدم مبادرة للمجتمع، بل أمام شخص ارتدى ملابسه، واستقل سيارته، وتوجه إلى مناسبة اجتماعية، فتحولت تفاصيل حضوره إلى فيديو مصحوب بموسيقى "يا بو عيون سود ووساع"، مروراً بـ"زايد عليهم زود يا سيدي".

والمفارقة أن أبياتاً من الشعر قيلت في الشجاعة والتضحية، وبذل الغالي والنفيس، أصبحت ترافق مشاهد لشخص تبخّر، ثم استقل سيارته متوجهاً إلى ديوانية. وكأن بطولات الأمس التي استحقت المديح، بات يعادلها اليوم مجرد أن يصل المرء إلى المناسبة بسلام، وينزل من سيارته أمام الكاميرا بثبات!

والمثير أن هذا الأسلوب لم يعد مقتصراً على شخصيات ذات مناصب أو حضور معروف، بل امتد إلى أشخاص غير معروفين في الساحة العامة، يسعون إلى التعريف بأنفسهم بالطريقة ذاتها.

وبعض هذه المقاطع يُنشر دون مقابل، فيما تحوّل بعضها الآخر إلى خدمة ترويجية لها أسعارها. ولا حرج في تقاضي الحسابات أجراً مقابل خدماتها، لكن المفارقة فيمن يدفع المال ليظهر أمام الناس، وكأن حضوره يحظى باهتمام إعلامي تلقائي، بينما هو في الحقيقة من دفع مقابل تلك التغطية.

ولا أرى عيباً في رغبة الإنسان بالظهور، فهي مشروعة خصوصاً في الظروف العادية، إلا أن الإصرار على هذه المظاهر الاحتفالية الآن، ونحن في خضم أخطار تمس أمن الكويت والمنطقة، ومستقبلها، يثير التساؤل عن ترتيب الأولويات؟

ففي وقت تتطلب فيه التحديات الحالية مواقف مسؤولة، وجهوداً لتحصين الداخل ومساندة الأشقاء، تبدو مشاهد الترجل من السيارات والدخول إلى الدواوين، المصحوبة بأغاني المديح، بعيدة عن حجم اللحظة وخطورتها.

ولعل ما تكشفه هذه الظاهرة ليس مجرد فراغ في المشهد العام، بل فراغ أعمق في الأولويات لدى بعض من يسعون إلى الوجاهة.

وبعد كل هذا الشرح، قالت الضيفة: "أختلف معك، أظن أن بعضهم يريد الزواج"!.

آخر الأخبار