الجمعة 23 أكتوبر 2026
31°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الوفرة الزراعية قبل المطر
play icon
كل الآراء

الوفرة الزراعية قبل المطر

Add as Preferred Source on Google
Time
الجمعة 23 أكتوبر 2026
أحمد زكي عسكر

للمطر وجهان؛ وجهٌ يهب الأرض الحياة، ووجهٌ يكشف ما تركه الإهمال خلفه من ثغرات.

وبين غيمةٍ تحمل البشارة، وأرضٍ تنتظر النجدة، تقف مزارع الوفرة أمام اختبار يتكرر مع كل موسم شتاء: هل نكتفي بانتظار المطر، ثم نحصي الخسائر بعد رحيله، أم نستعد له بعلمٍ وتخطيطٍ يحفظان الأرض، وعرق المزارعين ومالهم؟

ومع اقتراب موسم الأمطار، تعود مزارع الوفرة إلى مواجهة سؤال يتكرر كل عام: هل تتحول الأمطار إلى نعمة تدعم الزراعة، أم تتحول إلى أزمة جديدة تهدد المزارع والطرق، ومصادر رزق أصحابها؟

المسألة ليست مجرد توقعات جوية؛ فدراسة علمية رصدت هطول نحو 147.1 ملم من الأمطار في محطة الوفرة يومي 14 و15 نوفمبر 2018، وهي كمية كبيرة مقارنة بمتوسط الأمطار المسجل في المنطقة. وهذا الرقم وحده كافٍ لتذكير الجهات المعنية أن الاستعداد يجب أن يسبق هطول المطر، لا أن يبدأ بعد وقوع الأضرار.

وتزداد أهمية الاستعداد في ظل معاناة بعض المزارع من ارتفاع المياه الجوفية وتسربها، وهي مشكلة تختلف عن تجمع مياه الأمطار، لكنها قد تتداخل معها وتضاعف آثارها.

وقد تحدث مزارعون في تقارير صحافية سابقة عن تضرر نحو 200 مزرعة موزعة على أربع قطع زراعية بسبب تدفق المياه الجوفية. لذلك، فإن معالجة المشكلة تتطلب تشخيصًا علميًا يحدد مصدر المياه في كل موقع، بدلًا من التعامل مع جميع الأضرار باعتبارها مشكلة واحدة.

والأهم أن الوفرة لا تمتلك شبكة متكاملة لتصريف المياه الزراعية، مما يستدعي خطة حكومية واضحة تبدأ برفع مساحي للمناطق المنخفضة، وتحديد مسارات آمنة لتجميع مياه الأمطار وتوجيهها بعيدًا عن المزارع والطرق، مع تجهيز مضخات متنقلة للتدخل السريع عند الضرورة.

كما يجب فحص الطرق الزراعية قبل الموسم، ومعالجة الهبوطات والتشققات، وتحديد المواقع الأكثر عرضة للغرق، وتجهيز مسارات بديلة عند تعذر المرور. ولا يقل أهمية عن ذلك إنشاء قاعدة بيانات تسجل مواقع الأضرار وأسبابها وتكلفة إصلاحها، حتى لا تتكرر المعالجة المؤقتة كل عام دون حل جذري.

لكن لماذا ننظر إلى المطر باعتباره خطرًا فقط؟ يمكن دراسة إمكانية الاستفادة من مياهه عبر إنشاء خزانات أو أحواض مبطنة لتجميعها، بعد إجراء دراسات هندسية للتربة والمناسيب وجودة المياه، وتحديد مدى صلاحيتها للاستخدام الزراعي وفق طبيعة المحاصيل والملوحة.

إن المطلوب ليس وعودًا موسمية، بل خطة معلنة بمواعيد تنفيذ ومسؤوليات محددة، تضمن حماية المزارع والطرق، وتفصل بين أضرار الأمطار ومشكلات المياه الجوفية.

فالاستعداد للمطر ليس إجراءً طارئاً، بل مسؤولية حكومية تحمي الإنتاج الزراعي وتحوّل المياه من مصدر للضرر إلى مورد يمكن الاستفادة منه.

باحث زراعي

آخر الأخبار