من حق اي فريق في اي شعب التعبير عن رأيه ضمن مؤسساته الدستورية، وكذلك من حق طرف ما في مصر أن يقول للرئيس عبدالفتاح السيسي: لا نريد دعم دول الخليج، او نريد دعم إيران.
فإذا كان لهذا الفريق رأيه، فهناك اراء اخرى، وهي جديرة بأن تطرح رؤيتها للعلاقات بين الدول، فإذا رغب ذلك الفريق الا يكون هناك دعم دول الخليج، في الحرب المفروضة عليها من إيران واعوانها، هذا حقها، وهنا لا يلام الرئيس السيسي على هذه المواقف، لانه سعى وفق الاطر الدستورية المعمول بها في بلاده.
من هذا المنطلق، نقول: إن العلاقة بين دول "مجلس التعاون" الخليجي ومصر، لا تقوم على ردات الفعل، بل على المصالح الستراتيجية للامن القومي المصري والخليجي.
كما أن العلاقة بين مصر وهذه الدول عميقة، وراسخة، فكلا الطرفين اندمجا في ثقافة مشتركة، أكان ذلك عبر الذين وفدوا إلى دولنا من اجل العمل والمساعدة في التعليم، او عبر البعثات إلى مصر للدراسة، كما أن هناك مصاهرات عدة، وكل هذا شكل علاقة لا يمكن الفكاك منها، تحت أي ظرف.
منذ القدم كانت العلاقة مع مصر تقوم على ايقاع معين، ولم تكن هناك ازمات كبرى ادت إلى القطيعة بين عواصم الخليج والقاهرة، حتى حين نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس، استمرت العلاقات بين شعوب الخليج، وشعب مصر.
لهذا فإن الدعم المصري لدول الخليج في الحرب المفروضة عليها، أكان لقي الترحيب من البرلمان المصري، او لم يلق، لن يكون عائقاً امام دولنا في الدفاع عن نفسها، وفرض الإرادة الخليجية، والسعودية على المعتدي، وهزيمته.
إن هذه الحقيقة يجب أن تكون ماثلة امام الجميع، لا سيما من يعارضون دعم دولنا، لكن في المقابل لا بد من التأكيد، أن ما بين شعوبنا والشعب المصري، اكبر بكثير من استثمار سياسي موقت لبعض الاحزاب المصرية.
نعم، علينا الاعتراف بأن الرئيس عبدالفتاح السيسي، ومنذ 12 عاما، فعل الكثير لمصر، أكان في تحديث البنية التحتية، او في العلاقات الدولية، ففي الشق الاول، جلب استثمارات لبلده بنحو 17 تريليون جنيه، وهذا ساعد على المزيد من تحسين الظروف المعيشية لشعبه، فكانت هناك الطرق والمواصلات، وكذلك الوحدات السكنية التي تقدر بمئات الالاف، ونمى الناتج المصري المحلي إلى نحو 5.1 في المئة بين عامي 2025 / 2026، وهذا لا بد أن ينظر اليه بوصفه عملية نهوض كبرى لمصر التي عانت طوال سنوات من ازمة طالت كل المرافق، واثرت على المواطن بحدة.
ومع الدعم الخليجي لمصر، بادلت القاهرة ذلك بالمزيد من تحسين العلاقات مع دول "مجلس التعاون"، ولهذا كانت التحية العسكرية للجيش المصري للكويت والسعودية، وبقية دول الخليج، اشارة مهمة في رؤية القيادة المصرية للمصير المشترك بين الدول السبع.
كذلك لا بد من الاشارة إلى أن الحروب تغيرت طبيعتها كليا، ولم تعد تعتمد على حشد الجيوش، فبوجود المسيرات والصواريخ وغيرها، تدار اليوم المعركة من خلال لوحات الكمبيوتر، من رجل يجلس امام الشاشة الزرقاء، في كاليفورنيا او واشنطن، او الرياض او القاهرة، وبالتالي فإن الدعم ربما يكون في مكان ما معنوي، وسياسي، او عبر ثلة من الجنود للمساعدة فقط، فإن كل عربي يؤمن بالآية الكريمة: "إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ"، يدرك أن الحرب الحالية لن تقف عند حدود دولة معينة.
إن هذه الحقيقة يجب أن تكون ماثلة امام كل مواطن عربي، ومصري، وخليجي، وبالتالي فإن النواب، المعارضين او المؤيدين، لما طلبه الرئيس السيسي، يجب أن يكونوا على ثقة أن مصائر الدول لا تقف عند ازمات عابرة، وكذلك العلاقات بين الاشقاء، ولا عند قرار ربما لم يكن لدى من صوّت عليه الصورة الكاملة.
ولهذا فإن العلاقات المصرية – الخليجية متينة جداً، ونهوض مصر هو نهوض لدول "مجلس التعاون"، ولا يعني فقط المواطن المصري، فمصر عانت كثيراً طوال العقود الماضية، بعد اربع حروب، فرضت عليها من حكم عبدالناصر وكلها انتهت بالهزائم، ولولا أن قيض الله لها الرئيس الراحل انور السادات، الذي استطاع فرض النصر على إسرائيل، وجلب السلام إلى مصر، وخليفته الرئيس حسني مبارك الذي استمر على النهج نفسه، لكانت اليوم في وهن، ولهذا فإن الحرص الخليجي على مصر، في الاصل حرص على الذات الخليجية.
أخيرا نقول: إن الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي اعلن قبل ايام انه لن يستمر في الحكم بعد عام 2030: بيض الله وجهك، فأنت عملت من أجل بلدك، وها هي مصر قادرة على خوض التحديات، ومن لا يريد دعم دول الخليج، فهذا شأنه، فلا ضرر لان شعوبها قادرة على اجتراح المعجزات، ودولنا ربما لن تحتاج إلى مصر.
الرئيس السيسي، إن اهل مصر لن يجوعوا، لكن دعونا نمشي الهوينا، فمصر ارض المن والسلوى، والله حليم بعباده.