الأحد 25 أكتوبر 2026
29°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
أثينا التي لا تُورَث: روبيو والغرب المتخيَّل
play icon
كل الآراء

أثينا التي لا تُورَث: روبيو والغرب المتخيَّل

Add as Preferred Source on Google
Time
الجمعة 23 أكتوبر 2026
عبدالعزيز العتيبي

في السابع من أكتوبر، وقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عند الغروب على تلة البنيكس، حيث انعقدت جمعية أثينا الشعبية، والأكروبوليس من خلفه، ليعلن أن ما بُني على تلك الصخور ملك لحضارة واحدة اسمها "الغرب". فأثينا عنده أول ظهور تام لسمات الغرب، ومعرفة اليونان القدماء معرفة "لأنفسنا"، كما عبّر. ومن هذا النسب انتقل إلى السياسة، فقال إن الغرب نسي "الثوموس" أو القوة الغضبية، وصارت "القومية" كلمة سوء، ففتح الغرب حدوده ونقل صناعته إلى الخارج وأضعف جيوشه، وعليه الآن أن يختار بين استعادة "القوة الوطنية" وبين الانحدار. هذا محصّل قوله.

وليس من الإنصاف أن يُحاسَب سياسي محاسبة العالم الباحث، فلغة السياسة غير لغة العلم، والساسة منذ بريكليس الأثيني يستدعون الماضي لأغراض الحاضر، فالصنعة لا تعتمد على الحقيقة في الأغلب، بل على ما يصنعه منها السائس. وفي الخطاب ما يستحق التقدير، كاحتفائه بالفضول المعرفي، واستحضاره لمثال سقراط الذي لم يستنكف عن سيرة النظر والتأمل ولو كلّفته حياته. لكن الخطاب لا يكتفي بالاستشهاد بالتاريخ، بل يبني عليه دعوى ملكية، وهذه دعوى لا يملك المشتغل بتاريخ الأفكار السياسية أن يمرّرها.

قبل أحد عشر قرناً، كتب الفيلسوف العربي يعقوب بن إسحاق الكندي في بغداد، في رسالة رفعها إلى الخليفة المعتصم بالله، أنه "ينبغي لنا أن لا نستحيي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا". فانظر إلى مقالة الكندي هنا. فلم يدّعِ أن حكمة اليونان صارت ملكاً للعرب، ولم يقل إنها حكر على اليونان. بل قال إن الحق لا وطن له، وإن الأمم المتباعدة تتعاون على إدراكه، يتمّم اللاحق منها ما قصّر فيه السابق. فالاقتناء عنده عمل لا إرث. أما روبيو فيقول العكس: أثينا تركة، وما يسميه "الغرب" وارثها الشرعي، يتسلمها سليمة كما يتسلم الوارث تركة أهله.

نسب مصنوع

يرسم الخطاب للأميركي نسباً متصلاً: وُلد في أثينا، وتكوّن في روما، وتعمّد في العالم المسيحي، وصُلب عوده في أوروبا الوسيطة. لكن هذه السلسلة تجمع أطرافاً كان كثير منها يرى في الآخر عدواً. فروما لم ترث اليونان بل غزتها، ودمّرت كورنثة سنة 146 قبل الميلاد. والذين حملوا اسم روما ولغة اليونان ألف عام بعد سقوط روما الغربية لم يسمّوا أنفسهم غربيين، بل سمّوا أنفسهم "الروم"، ورأوا في اللاتين برابرة، وفي تتويج شارلمان سنة 800 اغتصاباً للقب الروماني. وفي سنة 1204 نهب الصليبيون اللاتين القسطنطينية، حتى إن المؤرخ البيزنطي نيكيتاس خونياتس، عند وصفه نهب الصليبيين للقسطنطينية سنة 1204م، قارن وحشيتهم برحمة المسلمين بأهل القدس عند استعادتها على يد صلاح الدين سنة 1187م. ومع ذلك يضع الخطاب شارلمان في سلسلة أبطاله، وهو الرجل الذي عدّه الروم منازعاً لهم في ميراث روما. بل إن خشايارشا الأخميني، العدو الذي افتتح به روبيو خطابه، لا يصلح حدّاً بين حضارتين، فقد انحازت إليه مدن يونانية، وموّل الذهب الفارسي إسبرطة في حربها على أثينا.

بين أثينا والأكويني تقع بغداد

يقول الخطاب إن بحث فلاسفة اليونان في بنية الكون ورثه كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن، ويذكر أوغسطين والأكويني. لكن بين أثينا والأكويني تقع بغداد، وهي هنا مثال فقط، وإلا فينازعها عن الأندلس وصقلية والقاهرة وغيرها. فقد نقلت حركة الترجمة العباسية جلّ ما وصل من الفلسفة والطب والفلك إلى العربية، ثم شرحه الكندي والفارابي وأبو معشر وابن سينا وابن رشد ونقدوه وزادوا عليه. ومن العربية، إلى جانب ترجمات مباشرة عن اليونانية، استعادت أوروبا اللاتينية كثيراً من أرسطو، وقرأه الأكويني نفسه وهو يحاور ابن رشد ويقتبس من ابن سينا.

إلا أن ردّ هذه الحلقات إلى السلسلة لا يكفي، لأنه قد يكرر الخطأ نفسه من وجه آخر: أن نتخيل التراث اليوناني وديعة تنتقل من يد إلى يد كما هي، فلا يبقى الخلاف إلا على أسماء الحاملين. والحال أن كل تلقٍّ هو انتقاء وترجمة وتأويل. فالكتاب الذي عرفه العرب باسم "أثولوجيا أرسطوطاليس" لم يكن لأرسطو، بل صياغة لأجزاء من "تاسوعات" أفلوطين أُعدّت في حلقة الكندي نفسه. وكذا "سر الأسرار" المنسوب على أنه نصائح من أرسطو إلى تلميذه الإسكندر، وتبيّن لاحقاً أن كثيراً منه ذو أصول ساسانية، بل وبعضها عربي! وعند الفارابي نجد ما يشبه الملك الفيلسوف الذي حدّثنا عنه أفلاطون في كتابه "السياسة" (المترجم خطأً بالجمهورية)، فجعله واضع الملة، الملك على الحقيقة، الذي تجتمع فيه الفلسفة والنبوة. ولما لم يجد ابن رشد كتاب "السياسة" لأرسطو بالعربية، شرح "كتاب السياسة" لأفلاطون بدلاً منه، وضرب لانحطاط المدن أمثلة من تاريخ الأندلس. وبهذا العمل وغيره صار التراث اليوناني جزءاً من الحضارة الإسلامية، لا بنسب ولا بدم، بل بالاقتناء بالمعنى الذي أراده الكندي: أن يُمتلَك الشيء بالعمل فيه حتى يصير ملكاً لمن عمل.

والأمر عينه يصدق على كل من تلقّى اليونان. فقد أعاد الأكويني بناء أرسطو داخل اللاهوت المسيحي، ولم يمر ذلك بلا صدام، إذ أدان أسقف باريس سنة 1277 قضايا أرسطية ورشدية. وقرأ آباء الدستور الأميركي القدماء قراءة انتقائية، فأعجبوا ببلوتارخس ونفروا من الديمقراطية الأثينية. فـ"الغرب" الذي يتحدث عنه روبيو ليس الوارث الأمين لأثينا، بل تلقٍّ من بين تلقّيات كثيرة، صنع يونانه كما صنع العرب يونانهم. والفرق أن الكندي كان يعرف أنه يقتني من "الأمم المباينة"، أما هذا الخطاب فيظن أنه يتذكر نفسه.

وفكرة "الحضارة الغربية" الممتدة من أثينا إلى نيويورك أحدث مما يظن أصحابها. فقد تبلورت في القرن التاسع عشر، وصارت مقرراً جامعياً في الولايات المتحدة إبان الحرب العالمية الأولى، حين أنشأت جامعة كولومبيا مقرراً عن "قضايا الحرب" يمنح طلابها، وكثير منهم أبناء مهاجرين، نسباً يربط بلدهم الفتي بأوروبا الحليفة. وقام المقرر على سرد يشبه سباق التتابع: يسلّم اليونان العصا لروما، وروما لأوروبا، وأوروبا لأميركا. وسقط من هذا السباق كل من ركض ولم يُحسب في الفريق، ونُسي أن العصا لا تصل قط كما خرجت.

قومية بلا مدينة

يقول روبيو إن اليونان القدماء أدركوا أنه لا عيب في الولاء "للأمة". والحق أنهم لم يعرفوا الدولة القومية، بل عاشوا في "البوليس"، أي المدينة-الدولة، وفي الأحلاف، وتحت الإمبراطوريات. وأرسطو يجعل المدينة الاجتماع السياسي الكامل، ويشترط أن تكون صغيرة بقدر يتيح لمواطنيها أن يعرف بعضهم بعضاً. صحيح أن اليونان عرفوا شعوراً بالانتماء المشترك، لكنه لم يصبح ولاءً سياسياً، وكثيراً ما حارب اليونانُ اليونانَ. أما الدولة القومية فوليدة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وإسقاطها على العالم القديم يحوّل الماضي إلى مرآة لا نرى فيها إلا أنفسنا، فتصبح المرآة هنا فخاً لا ينتج إلا تحصيلاً لحاصل، لا وسيلة لإظهار الحقيقة. والخطاب يعترف بذلك صراحة حين يقول إن تاريخ اليونان "يرينا صورة أنفسنا".

ويتكرر الأمر مع "الثوموس" الذي جعله روبيو "قلب الحضارة العظيمة". فعند أفلاطون تكون القوة الغضبية نصيراً للعقل لا سيداً عليه، والمدينة التي يغلب عليها حب الكرامة، ذلك الحب النابع من القوة الغضبية، أولى درجات الانحطاط عن المدينة الفاضلة. وعلى أثره سلك الفارابي حين عدّ "مدينة الكرامة" و"مدينة التغلب" من المدن الجاهلة. فالخطاب يضع في القمة ما وضعه أفلاطون والفارابي في خدمة العقل. وليس هذا الاستعمال جديداً: فقد بنى الفاشيون الإيطاليون خطابهم على "الرومانية"، فكل تلقٍّ للقدماء يصنعهم على صورة حاجاته، والفرق بين التلقي الخصب والتلقي الأيديولوجي أن الأول يعرف أنه يصنع، والثاني يزعم أنه يتذكر.

أثينا بلسان واحد

في مارس الماضي، قبل خطاب أثينا بسبعة أشهر، عُقدت في منتجع دورال بفلوريدا "قمة درع الأميركتين" بحضور قادة من أميركا اللاتينية. مازح الرئيس دونالد ترامب الحاضرين بشأن إتقان روبيو للإسبانية، واستأذنه روبيو في أن يتكلم بها، ثم صعد وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى المنصة وقال: "سيدي الرئيس، أنا لا أتكلم إلا الأميركية".

لم تكن النكتة موجهة إلى أثينا، لكنها تقول عن "الحضارة الغربية" المعاصرة أكثر مما يقوله خطاب البنيكس. فروبيو قدّم نفسه في أثينا من نسل مستوطنين جاؤوا من إسبانيا، والإسبانية هي اللغة التي كانت في طليطلة القرن الثاني عشر جسراً بين العربية واللاتينية: كان المترجم يقرأ ابن سينا بالعربية وينقله شفاهةً إلى لسان قشتالة الدارج، ثم يصوغه زميله باللاتينية. هكذا قطع ميراث أثينا رحلة طويلة، من اليونانية إلى السريانية إلى العربية إلى القشتالية واللاتينية، وأُعيد صنعه في كل محطة منها، ليصل في النهاية إلى رجل يفخر بأنه لا يتكلم إلا لغة لا وجود لها.

وأجمل ما في خطاب روبيو جملة استعارها من دانيال وبستر: إننا مدينون لليونان "كسائر البشر". لو أخذ الخطاب هذه الجملة على محمل الجد لانتهى حيث بدأ الكندي: أن الحق يُقتنى من أين أتى، وأن أثينا لا تُورَث كما تُورث الأرض، بل تُقتنى بالقراءة والترجمة والشرح، فيملكها من شارك في سيرتها وأعاد إنتاجها.

آخر الأخبار