الأحد 25 أكتوبر 2026
29°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
رحلة بلا جواز سفر... فهل نحسن استقبالها؟
play icon
كل الآراء

رحلة بلا جواز سفر... فهل نحسن استقبالها؟

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 25 أكتوبر 2026
د. ريم أحمد الهزيم
كلوروفيل

مع بداية الخريف، تبدأ في السماء رحلة لا تحتاج إلى جواز سفر، ولا تأشيرة عبور. أسراب من الطيور تشق طريقها عبر آلاف الكيلومترات، مدفوعة بغريزة الهجرة، لا تتوقف عند خطوط الطول او العرض. ومن بين محطات هذه الرحلة تأتي الكويت، التي تقع على أحد المسارات المهمة للطيور المهاجرة بين مناطق التكاثر، ومناطق قضاء الشتاء.

قد يراها البعض مجرد أسراب عابرة في السماء، ونراه نحن قصة طويلة من التعب والمخاطر لطائر قطع مسافات شاسعة بحثاً عن مكان آمن، يستريح فيه، وماء يشربه، وغذاء يستعيد به طاقته، قبل أن يواصل رحلته، أو يألف ويرتاح فيتوقف.

وهنا يبرز السؤال: حين تصل هذه الطيور إلى الكويت، ماذا تجد، وهل نوفر لها البيئة التي تحتاج إليها؟

إن قيمة الكويت بالنسبة للطيور المهاجرة لا تقاس فقط بما تراه العين من أعدادها وأنواعها، إنما بما توفره البيئة من مواقع للتغذية والراحة، والتكاثر لبعض الأنواع.

إن المسطحات المائية والسواحل، والمناطق الطينية والمناطق الطبيعية، ليست مجرد مساحات على الخريطة؛ إنها محطات حياة في رحلة لا تستطيع الطيور خلالها تحمل الكثير. والمحميات الطبيعية المتناثرة في وسط وأطراف البلاد شاهد على ذلك.

لكن التحدي لا يتعلق بالطيور وحدها، فهو في الحقيقة سؤال أوسع عن علاقتنا بالبيئة. ما نراه من بعض الممارسات لمخلفات البلاستك، عبوات مياه، أكياس، بقايا طعام، تلوث بعض المواقع، وإزعاج متكرر للحياة الفطرية؛ كلها أمور قد تبدو بسيطة عندما ننظر إليها منفردة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تكون هذه المواقع محطات تعتمد عليها الكائنات المهاجرة في رحلة طويلة وشاقة.

ومن هنا، فإن حماية الطيور المهاجرة واجب مستحق، ولا ينبغي أن تكون مسؤولية جهة حكومية واحدة، ولا أن تقتصر على موسم الهجرة. إنها مسؤولية تبدأ من سلوك الفرد، وتمتد إلى إدارة المواقع الطبيعية، والرقابة البيئية، والتوعية، وتنظيم الأنشطة البشرية في المناطق الحساسة بيئياً.

المواطن والمقيم يستطيعان أن يكونا جزءاً من الحل ببساطة أهمها النظافة العامة، وعدم إزعاج الطيور أو مطاردتها. أما الجهات المعنية، فالمطلوب أن تنظر إلى موسم الهجرة باعتباره فرصة لتعزيز الرصد العلمي والتوعية، وحماية مواقع التوقف المهمة، لأن معرفة أنواع الطيور وأعدادها، ومواقع تجمعها تساعد في اتخاذ قرارات أفضل لحماية البيئة وإدارتها بما فيه مصلحة اقتصاد البلاد وتنشيط سياحتها.

ومن الواجب أن نغيّر نظرتنا إلى الطيور المهاجرة فهي ليست زائراً عابراً نلتقط له صورة ثم ننساه، إنما مؤشر حي على حالة البيئة من حولنا وصحتها وغناها بالتنوع الحيوي. وجودها أو اختفاء بعضها، وأعدادها وتنوعها، ومواقع توقفها، يمكن أن يخبرنا الكثير عن صحة الأنظمة البيئية التي نعتمد عليها.

الطيور المهاجرة ثروة طبيعية فهي لا تقرأ أسماء الدول، ولا تعرف أين تبدأ حدود دولة وأين تنتهي أخرى. إنها تتبع طريقاً رسمته الطبيعة عبر آلاف السنين. وفي كل خريف تعود لتخوض الرحلة نفسها، حاملة معها سؤالاً صامتاً لا يسمعه إلا من يتأمل المشهد: هل ما زالت محطات رحلتنا آمنة؟

الطيور المهاجرة لا تحمل جواز سفر، وخلال رحلتها الطويلة، لا تعرف من يرافقها ولا من سيقابلها. فحين تعبر الطيور سماء الكويت في رحلتها الخريفية، فإنها لا تطلب منا الكثير؛ فقط مساحة نظيفة، وماءً، وغذاءً، وهدوءً يسمح لها باستعادة قوتها. فلنترك لها وطن ونحسن استقبالها؟ والى مستقبل زراعي جديد مثمر ان شاء الله.

$ دكتوراة في فلسفة النبات، كاتبة كويتية

آخر الأخبار