اليوم، الديوانية مدخنه أكثر من فور دلة القهوة، وأبو الشباب قاعد بوجه ملون بال وسيكام، لو علقوه على باب المنطقة التعليمية لاعتُبر إنذاراً رسمياً.
قطّ غترته ومسح عرقه، وقال: "يا الربع، اليوم خذيت جولة على رياض الأطفال بالمنطقة عشان أنقل ولدي من روضته، لاني لقيت الفصل فيه خمسين وستين طفل فوق بعض! ما أدري هذي روضة ولا علبة سردين"؟
ضحك المعاق بمرارة: "يا بو الشباب، لا تظلم السردين! على الأقل كل حبة بعلبتها، وعيالنا يدخلون الصف يدورون كراسيهم، وإذا لقوا كرسي اكتشفوا إن عليه حجز بنظام الشراكة! والطاولة اللي كانت حق اثنين صارت مشروعًا جماعيًا".
بهاللحظة دخل الرجل بصحبته صديق، وهو أحد معلمي مدرسة من المدارس الجديدة، حط تلفونه على الطاولة وتنهد: "أبشّركم، اليوم دخلت الصف، لقيت طلاب يدورون كراسي، وطلاب يدورون مكان، وأنا أدور صوتي اللي ضاع وأنا أصارخ. حسّيت إني مدرس وقائد فرقة إنقاذ بنفس الوقت".
ضرب الشايب كفًا بكف وقال: "يا ناس، المدرسة مو مخزن بضائع، الطالب يروح يتعلم، مو يتعلم شلون يتنفس بالدور، إذا صار همّ المدرس يعدّ الرؤوس، ويتأكد إن محد ضاع بالزحمة، متى يشرح الدرس، وإذا الطالب ما لقى مكان يقعد فيه، شلون نطالبه يخطط لمستقبله"؟
قال الشاب: "الحل موقتاً يفتحون المدارس الجديدة، وإذا تأخر تجهيزها يقسمون الدوام فترتين لين تجهز".
التفت له الخبير وعدّل نظارته: "فترة مسائية ايه يا بو الشباب، يعني بدل ما نحل الزحمة، ننقلها من الصبح لليل، الطالب محتاج يتعلم، والمدرس محتاج بيئة يقدر يشرح فيها. مش كل مشكلة نعلّق عليها لافتة مكتوب عليها "حل موقت" ونعتبر نفسنا حلّيناها"؟
ثم بص للشايب وقال: "يا حاج، على كده بكرة هنحتاج نوزّع قهوة إسبريسو على الطلبة عشان يصحصحوا بالفترة المسائية، ونصرف للمدرسين بدل سهر، هو التعليم بقى دراسة ولا ورديات مصنع"؟
هزّ المتمولس رأسه وقال: "عندي حل عبقري، نزّلوا المشكلة ستوري، وبعد أربع وعشرين ساعة تختفي، وإذا ما اختفت، نعيد نشرها مع موسيقى حزينة وقلب مكسور الجناح".
ساد الصمت لحظة، ثم قال الشايب: "يا الربع، المشكلة مو بس إن الطالب ما لقى كرسي يقعد عليه؛ المشكلة إننا نبيه يقعد على كرسي المسؤولية باچر، وهو اليوم مو لاقي له مكان يتعلم فيه".
وفي هاللحظة، ارتفع أذان الظهر بصوت الشيخ زغلول، وكأن الديوانية كلها تنتظر من ينادي على أصحاب الحلول الحقيقية، مو أصحاب الوعود الموقتة.
$ كاتب كويتي