الاثنين 26 أكتوبر 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
القاهرة... بين ضغوط الداخل وقلق المحيط
play icon
كل الآراء

القاهرة... بين ضغوط الداخل وقلق المحيط

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 26 أكتوبر 2026
عبدالنبي الشعلة
وقفة

جئت إلى القاهرة لحضور حفل تدشين الطبعة الثالثة من كتابي "غاندي... وقضايا العرب والمسلمين"، في مناسبة تتزامن مع الذكرى السابعة والخمسين بعد المئة لميلاد المهاتما غاندي و"اليوم العالمي للاعنف".

وقد أتاحت لي هذه الزيارة اللقاءات مع كتّاب وسياسيين ومفكرين وديبلوماسيين وإعلاميين مصريين، إلى جانب الاحتكاك بالمواطنين، أن أستمع إلى جانب من نبض القاهرة، وأن أتأمل في انشغالات مصر، وهي تواجه ضغوط الداخل وقلق المحيط.

بدا لي الشارع المصري أقل تذمراً مما رأيته في زيارتي السابقة، وربما، كما قال أحد المتهكمين، تأقلم الناس مع الأوضاع. لكن تراجع الشكوى الظاهرة لا يعني زوال أسبابها؛ فالغلاء لا يزال يضغط على الأسر ومدخراتها، فيما تثقل أعباء الدين وخدمته كاهل الموازنة، ويحتاج القطاع الخاص إلى سيولة أكبر وثقة وبيئة مشجعة للاستثمار والإنتاج.

تحسنت بعض المؤشرات وتراجعت معدلات التضخم عن مستوياتها المرتفعة، لكن أثر ذلك لا يصل سريعاً إلى حياة الناس بعد ارتفاع الأسعار.

واستدامة التعافي تقتضي توسيع قاعدة الإنتاج والتصدير، وتعزيز الصناعة والزراعة، وعدم الارتهان لمصادر تتأثر بالظروف الطارئة، أو الصفقات الموقتة. وتبرز هنا أهمية قناة السويس، والسياحة، وتحويلات المصريين في الخارج، وهي موارد تتأثر باضطراب المنطقة، وما يرافقه من ارتفاع كلفة الطاقة والنقل والتجارة.

وتحيط بمصر أزمات متعددة. ففي الجنوب، تتابع القاهرة بقلق الحرب في السودان، وتدعم وقف القتال وتسوية سياسية تحفظ وحدة البلاد. فاستمرار الصراع يفاقم معاناة السودانيين، ويزيد الأعباء الإنسانية والاقتصادية على مصر، التي تستضيف عدداً كبيراً من الفارين من النزاعات. ويرتبط بذلك ملف مياه النيل وسد النهضة؛ فالمياه قضية تمس الأمن المائي والغذائي ومستقبل التنمية، ولذلك تؤكد القاهرة ضرورة التفاهم، والاتفاق العادل بما يحفظ حقوق دول النهر، ويحول دون استمرار التوتر.

وفي الشرق، تثقل الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية التوسعية على الحسابات المصرية. فتعثر الحل السياسي واستمرار الاعتداءات يهددان الاستقرار، ومصر معنية مباشرة بما يجري بحكم الجغرافيا والتاريخ، وتسعى إلى التهدئة وإدخال المساعدات، وفتح الطريق أمام تسوية تضمن الحقوق الفلسطينية والأمن للجميع.

غير أن قلقاً حاضراً في أحاديث القاهرة يتعلق بالخليج العربي والبحر الأحمر. فالمصريون يدركون أن أمن الجزيرة العربية ليس بعيداً عن أمن مصر، وأن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ينعكس على السفن وقناة السويس، ويضيف ضغوطاً إلى الاقتصاد المصري.

وقد لمست ارتياحاً، لدى الشارع المصري، لموقف مصر المعلن في مساندة المملكة العربية السعودية والدفاع عن أمنها، إذا اقتضت الحاجة، مع حضور الدعوة إلى تجنب اتساع الحرب والتمسك بالتفاوض.

إنه توازن يجمع التضامن مع الأشقاء والحرص على الأمن العربي وإدراك كلفة المواجهة المفتوحة. وحتى كتابة هذه السطور، لا يزال طلب التفويض البرلماني لمساندة السعودية عسكرياً قيد النقاش، بما يعكس حساسية القرار، وما يتطلبه من تقدير دقيق لمقتضيات الدفاع ومخاطر التصعيد.

ومن هذه اللقاءات بدا لي أن المصريين لا يفصلون أزمات المنطقة عن همومهم اليومية؛ فالمعيشة والمياه والملاحة، واستقرار الحدود خيوط في مشهد واحد. وفي مثل هذا الظرف تبرز أهمية الديبلوماسية المصرية في خفض التصعيد ودعم الحلول السياسية، مع حماية المصالح الوطنية والتضامن مع الدول العربية.

وهنا تلتقي أجواء القاهرة برسالة غاندي. فاللاعنف لم يكن استسلاماً للظلم أو تخلياً عن الحقوق، بل مقاومة تسعى إلى تغيير الواقع من دون جعل العنف طريقاً وحيداً. ولا يكفي في منطقتنا رفع شعار السلام؛ بل ينبغي ترجمته إلى احترام سيادة الدول، ووقف الاعتداءات، وصون الملاحة، وحماية المدنيين، والعودة إلى الحوار.

في القاهرة، حيث يلتقي التاريخ بأسئلة الحاضر، ازددت قناعة أن السلام ليس ترفاً، بل مصلحة مشتركة ومسؤولية سياسية وأخلاقية. ومن حول مصر تتراكم التحديات، فيما تتطلع شعوب المنطقة إلى الأمان. ولعل أصدق ما نتعلمه من غاندي أن منع الحرب وصون كرامة الناس والبحث عن تسوية عادلة ليست علامات ضعف، بل شجاعة تحتاج إليها منطقتنا أكثر من أي وقت مضى.

وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً

آخر الأخبار