لم تكن التحية العسكرية التي وجهها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للأشقاء في الخليج مجرد مشهد عابر في حفل تخرج الأكاديمية العسكرية المصرية، بل رسالة سياسية وإنسانية مكثفة، استعاد بها لحظة فارقة في تاريخ مصر الحديث، ورد الاعتبار لمواقف عربية ساندت الدولة المصرية في واحدة من أصعب مراحلها.
فمن قلب المؤسسة العسكرية، وبحضور رمزية السلاح والانضباط، اختار السيسي أن يقول بوضوح: "لن أستحي ولن أتحرج إن أنا أقدم الشكر والتقدير لأشقائنا في الخليج"، في عبارة تختصر فلسفة الوفاء للمواقف، وتؤكد أن الاعتراف بفضل الأشقاء ليس انتقاصاً من مكانة الدولة، بل تعبير عن الثقة بتاريخها واحترامها لشركائها.
واللافت أن الرئيس لم يكتفِ بتوجيه الشكر، بل استعاد تفاصيل الأزمة التي واجهتها بلاده عقب أحداث عام 2011، مستحضراً ما وصفه بنفاد الاحتياطي النقدي وانكماش الاقتصاد، ونقص الوقود، ومشيراً إلى الدعم الذي قدمته السعودية والإمارات والكويت والمساعدات الاقتصادية. ثم انتقل استحقاقات الحاضر، مؤكداً أن مصر لا تبحث عن دور لمجرد الحضور، لكنها لن تقبل المساس بأمن السعودية واستقرارها، في رسالة تربط بين الوفاء للماضي والمسؤولية تجاه أمن الخليج اليوم.
وتكتسب الإشارة إلى الكويت أهمية خاصة؛ فقد أعلنت في يوليو 2013 تقديم مساعدات لمصر بقيمة أربعة مليارات دولار، ويعكس هذا الموقف عمق العلاقات الكويتية - المصرية، وامتدادها عبر عقود من التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني.
وتتجاوز دلالة هذه المساندة قيمتها المالية؛ إذ جاءت في مرحلة كانت مصر تواجه فيها تحديات اقتصادية صعبة، بما جعل الدعم الخارجي أحد عناصر تخفيف الضغوط. كما أن العلاقات بين البلدين لا تُختزل في محطة واحدة، بل تستند إلى تاريخ طويل من الروابط والمصالح المشتركة والتعاون بين الشعبين.
ومن هنا، فإن إشادة السيسي بالكويت إلى جانب السعودية والإمارات تحمل معنى يتجاوز استعادة الماضي، لتؤكد أن المواقف التي تُتخذ في أوقات الشدة تبقى جزءاً أصيلاً من رصيد العلاقات بين الدول.
لم تتوقف الكلمة عند استعادة الدعم الخليجي، بل انتقلت إلى التطورات الحالية، إذ قال: "إحنا مبندورش على دور نعمله، لكن مش معقول أبداً إن إحنا نسمح إن المملكة العربية السعودية يتم المساس بيها أو بأمنها أو باستقرارها".
مؤكداً استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المملكة والدفاع، عنها إذا طُلب منها ذلك، وفق الأطر الدستورية، داعياً في الوقت نفسه إلى وقف الحرب وإطفاء نار الاقتتال في المنطقة.
وتكشف هذه الرسالة عن ترابط بين استحضار المواقف السابقة وتأكيد المسؤولية تجاه أمن الأشقاء اليوم. فاستقرار الخليج يرتبط بمصالح عربية ستراتيجية تشمل الطاقة والتجارة والملاحة والأمن الإقليمي، وأي تصعيد يهدد دوله يمكن أن تتجاوز تداعياته الحدود الجغرافية.
الأهم في كلمة السيسي أنه لم يكتفِ بتوجيه الشكر، بل خاطب المصريين محذراً من نسيان المواقف الخليجية، قائلاً: "ما تنسوش أبداً"، في إشارة إلى ضرورة الحفاظ على ذاكرة التضامن، وعدم السماح للإساءات المتداولة على مواقع التواصل بتقويض روابط تاريخية بين الشعوب.
فالاعتراف بالجميل لا ينتقص من مكانة الدول، بل يعكس احترامها لشركائها وتقديرها للمواقف التي ساندتها. وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول استحضار الماضي إلى مجرد خطاب عاطفي، بل إلى حافز لتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني، بما يخدم المصالح المشتركة ويمنح العلاقات العربية قدرة أكبر على مواجهة الأزمات.
لقد أعادت التحية العسكرية المصرية لدول الخليج التأكيد على أن العلاقات العربية تُختبر في أوقات الشدة، وأن الوفاء الحقيقي لا يقف عند حدود الكلمات.
وبين موقف الكويت التاريخي، ومساندة السعودية والإمارات لمصر، ورسالة القاهرة بشأن أمن الخليج، تبقى الخلاصة واضحة: التضامن العربي ليس منةً عابرة، بل مسؤولية متبادلة، تحفظها ذاكرة الوفاء وتمنحها قوتها مواقف الحاضر واستحقاقات المستقبل.
كاتب مصري