مرايـا الروح
ليس النضجُ أن نمتلك القدرة على الردّ في كلّ موقف، بل أن نمتلك الحكمة التي تُخبرنا متى يكون الردّ ضرورة، ومتى يكون الصمت انتصاراً لسلامنا الداخلي.
في زمنِ اللغوِ المستفيض، تراجعت قيمةُ الكلمة، وغدا ردُّ الفعل أسبقَ من التفكير، والاندفاعُ أقربَ من التروّي، حتى بات القولُ يُقاس بسرعة إطلاقه، وصدى انتشاره، لا بصدقه وعمقه.
ومع اتساع هذه الظاهرة، تحوّلت منصّات التواصل إلى ساحاتٍ تتسابق فيها ردود الفعل، وتتراجع فيها حكمة التروّي لصالح العجلة، على حساب الفهم والتأمل.
وفي خضمّ هذا التخبّط، تتجلّى قيمة الصمت بوصفه حكمةً لا عجزاً، والتروّي نضجاً لا ضعفاً؛ فالكلمة قد تُهدر أمام صغار العقول، ويغدو الصمت أرفع من جدالٍ لا يُثمر.
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا المعنى الرفيع في قوله تعالى: "وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا" (الفرقان: 63).
نحتاج أن نتعلّم فنّ الصمت بوصفه منهجاً أخلاقياً وروحياً، لا سجناً للضعف، ولا قناعاً للخنوع، بل اختياراً واعياً لعدم المشاركة في مهاترات لا تمسّ جوهر وجودنا، ولا تضيف إلى وعينا شيئاً.
فهناك انفعالاتٌ غير محسوبة، وسلوكياتٌ لا تستحقّ الالتفات، وأحداثٌ هامشيةٌ تُشعل في النفس دوّاماتٍ من الغضب، فتستنزف طاقتها، وتبدّد صفاءها. وهنا تتجلّى حكمة الاختيار في التمييز بين ما يستحقّ المواجهة وما يجدر بنا تجاوزه.
ومن يختار الصمت ليس متنكّراً للحقّ، ولا مهادناً للباطل، بل واعٍ يدرك أن بعض الجدالات لا تُفضي إلى فهم، وأن الانسحاب من حوارٍ عقيم حكمةٌ لا عجز، فليست كلّ العقول تُقنعها الحجّة.
فالصمت في موضعه ترفّعٌ نبيل عن صغائر الأمور؛ أن نتجاوز رغبتنا في الخوض في كلّ سجال، وأن نحوّل المواقف إلى دروسٍ تُهذّب أرواحنا، لا ساحاتٍ نستنزف فيها سلامنا الداخلي.
ليس كلّ صامتٍ مهزوماً، ولا كلّ من انسحب عاجزاً؛ فقد يكون قادراً على الردّ، لكنه يدرك أن بعض المعارك لا تليق بوعيه. وفي هذا المعنى، تقول رضوى عاشور:"... ولكنني بلغت قدراً من النضج يسمح لي بالتمييز بين معركة يمكن أن تحقق أهدافها، ومعارك لا جدوى من خوضها".
إنها حكمةٌ تختصر سنواتٍ من التجربة؛ فالنضج لا يمنحنا القدرة على خوض المعارك فقط، بل يمنحنا بصيرة الاختيار، ويعلّمنا أن الشجاعة ليست في كثرة المواجهات.
وفي مسار الحياة، نكتشف أن كثيراً من الخلافات والصدامات لم تكن تستحقّ كلّ ذلك الاستنزاف؛ فقد أرهقنا أنفسنا في تفاصيل لا تضيف إلى حياتنا شيئاً، وأهدرنا أوقاتنا في إثبات وجهات نظرٍ لم تكن تجد طريقها إلى الفهم.
فماذا لو تعلّمنا مبكراً أن نُميّز بين ما يستحقّ المواجهة وما يستحقّ التجاوز، وماذا لو سألنا أنفسنا قبل الانخراط في أيّ حوار: هل يستحقّ هذا الأمر أن نستنزف من أجله سلامنا الداخلي؟
قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه مفتاحٌ لتغييرٍ كبير؛ لأننا حين نُحسن الاختيار، نتوقّف عن منح كلّ موقفٍ أكبر من حجمه، ونتعلّم أن نوجّه طاقتنا نحو ما يبني حياتنا، لا ما يبدّدها.
فالقوةُ الحقيقيةُ تتجلّى في ضبط النفس، وصيانة الكرامة، والارتقاء عن كلّ ما يعكّر صفاء الروح، لا في الانتصار على الآخرين بالكلمات، بل في كبح رغبة الردّ حين ندرك انعدام جدواه.
ويعلّمنا الصمتُ كيف نروّض انفعالاتنا، ونترك أمواج التفاهات تتكسّر بعيدًا عن شواطئ أرواحنا، فلا نمنحها من سلامنا ما لا تستحقّ.
ختاماً، ليس الصمت غياباً عن الموقف، بل حضورٌ واعٍ لا يصدر عن خوفٍ أو عجز، بل عن حكمةٍ وسموّ نفس. فالشجاعة الحقيقية أن نُحسن التمييز بين معركةٍ تستحقّ المواجهة، وأخرى يكون الانتصار فيها ألّا نخوضها.
فالنضجُ ليس أن نردّ على كلّ شيء، بل أن نُحسن اختيار ما يستحقّ منّا الردّ، وما يستحقّ أن نمضي عنه بسلام.
كاتبة كويتية