رئيسة "معهد العالم العربي" زارت الكويت ضمن الوفد الرئاسي الفرنسي
نتعاون مع متاحف الفنون ونسعى لتمكين المبدعين الكويتيين من الحضور أوروبياً
"مجموعة الصباح" من أهم مجموعات الفن الإسلامي... وهي متوافقة مع رسالة "المعهد"
التراث الثقافي الكويتي يستحق حضوراً أوسع في أوروبا... وثراؤه يفتح آفاق التعاون
لقاءاتي مهَّدت لمشاريع جديدة منها تنظيم معارض وتيسير لقاءات بين الفنانين والباحثين
مشروع المتحف الوطني الجديد من أبرز آفاق التعاون المرتقبة بين الكويت وفرنسا
نُحضِّر لمعارض متنقلة بين الكويت وفرنسا تبرز تراث المنطقة أمام الجمهور الأوروبي
ما عثرت عليه البعثات الفرنسية في فيلكا تراث استثنائي يُجسِّد ملتقى حضارات كبرى
أكدت رئيسة "معهد العالم العربي" في باريس آن كلير لوجوندر أن الكويت شريك أساسي في تعزيز الحوار الثقافي بين فرنسا والعالم العربي، معربة عن تطلع المعهد إلى توسيع التعاون مع المؤسسات الكويتية في مجالات المتاحف وصون التراث والفنون المعاصرة والأدب، بما يفتح آفاقاً أوسع أمام المبدعين الكويتيين في فرنسا وأوروبا.
وقالت لوجوندر، في لقاء مع "السياسة"، إن زيارتها للكويت ضمن الوفد المرافق للرئيس الفرنسي في 19 أكتوبر أتاحت لها بحث مشاريع مشتركة، من بينها إقامة المعارض وتبادل المقتنيات الفنية والتعاون بين المتاحف، إلى جانب دعم الصناعات الثقافية والإبداعية وتشجيع ترجمة الأدب العربي إلى الفرنسية. وفيما يلي تفاصيل اللقاء:
ما دلالة زيارتكم للكويت ضمن الوفد الرئاسي الفرنسي؟
حظيت بشرف مرافقة رئيس الجمهورية خلال زيارته للكويت في 19 أكتوبر 2026، وأتاحت لي الزيارة عقد سلسلة من اللقاءات الثقافية؛ إذ تحتل الثقافة والتراث والتبادلات الإنسانية مكانة جوهرية في التاريخ المشترك للعلاقات الفرنسية الكويتية.
وكان لهذه الزيارة وقع خاص في نفسي؛ فبصفتي سفيرة سابقة لفرنسا لدى الكويت، عدت إليها محمّلة بذكريات كثيرة، وسعدت بلقاء أصدقاء يكرسون جهودهم للحياة الثقافية والحفاظ على التراث. كما أضفى لقاء هذه الشخصيات والتحاور مع جيل جديد من المبدعين طابعاً مميزاً على الزيارة. فالعلاقات الثقافية تُبنى على المدى الطويل، وتتغذى على الثقة والصداقات التي تتيح للمشاريع أن تولد وتنمو.
وقد ارتبطت الكويت منذ البداية بمشروع معهد العالم العربي، الذي أُنشئ بمبادرة من الرئيس الراحل فاليري جيسكار ديستان؛ ويشكل هذا الالتزام التاريخي الداعم للحوار بين الثقافتين العربية والأوروبية ركيزة قيمة تمنح تعاوننا زخماً جديداً.
ويهدف المعهد إلى التعريف بتنوع مجتمعات العالم العربي وتراثه، وإفساح المجال أمام فنانيه وكتّابه ومبدعيه المعاصرين. وقد أتاحت لي الزيارة الوقوف على ثراء المشهد الثقافي الكويتي وتحديد آفاق عديدة للتعاون.
كما حظيت بشرف استقبال سمو الشيخ ناصر المحمد، رئيس مجلس الوزراء الأسبق والرئيس الفخري لمجلس تعزيز الفرنكوفونية، ولا شك أن سموه شخصية بارزة في مجال الفرنكوفونية في الكويت، كما أنه داعم للحوار الثقافي بين بلدينا على مر السنين.
ما أبرز اللقاءات التي عقدتموها خلال الزيارة؟
في "دار الآثار الإسلامية" استقبلتني رئيستها الشيخة حصة صباح السالم، وتُعد "مجموعة الصباح" من أهم مجموعات الفن الإسلامي في العالم؛ إذ تعكس ثراء التبادلات بين الحضارات، وتتوافق مع رسالة "معهد العالم العربي" في التعريف بتراث العالم العربي وإبراز إسهاماته في التاريخ الإنساني.
كما زرت بيت السدو برفقة رئيسته الشيخة بيبي دعيج الجابر، ويُعنى البيت بفن النسيج البدوي التقليدي، ويؤدي دوراً مهماً في نقل هذه الحرفة التي تمثل أحد رموز الثقافة الكويتية... وفي "قصر السلام"، المتحف المخصص لتاريخ الكويت، استقبلتني الشيخة منى جابر العبدالله والشيخ أحمد الصباح، المسؤولان عن مركز الوثائق التاريخية والمكتبات في الديوان الأميري، وأتاحت الزيارة بحث سبل حفظ الأرشيفات ونقل التاريخ الوطني إلى الأجيال.
كذلك بحثت، خلال لقائي الأمين العام لـ"المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" الدكتور محمد الجسار، آفاق التعاون بين مؤسساتنا، ولاسيما في مجالات المتاحف وتثمين التراث الوطني وتبادل المعارض بين الكويت وفرنسا. ويُعد الحوار مع المجلس، باعتباره فاعلاً ثقافياً محورياً في الكويت، أساسياً لترجمة طموحنا المشترك إلى خطوات عملية.
كيف يسهم هواة جمع الأعمال الفنية والشخصيات الثقافية في التعاون؟
مشاركتهم جوهرية للحفاظ على الأعمال الفنية ونقل المعارف وتعزيز تبادل التراث الثقافي. وقد جسّد لقائي مع الشيخ مبارك عبدالله المبارك، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ"شركة أكشن جروب القابضة"، وهو من هواة جمع العملات القديمة، أهمية هذه المشاركة؛ إذ أعار 430 قطعة ذهبية من مجموعته الخاصة لمعرض "كنز من الذهب"، الذي أقيم في المعهد خلال النصف الثاني من العام 2022. وتعكس هذه المساهمة الثقة بين هواة جمع الأعمال الفنية الكويتيين والمؤسسات الثقافية الفرنسية، والسعي المشترك إلى تبادل المعرفة.
كذلك التقيت الشيخة الدكتورة سعاد الصباح، الكاتبة والشاعرة الكويتية التي كُرّمت في فرنسا، حيث قُلّدت مؤخراً رتبة "ضابط" في "وسام الفنون والآداب"، تقديراً لمسيرتها التي ترسخ الحياة الأدبية في الكويت، وتؤكد أهمية تعزيز حضور الكتّاب الكويتيين في فرنسا وأوروبا، وهو هدف يتماشى مع رسالة المعهد.
وتهدف هذه اللقاءات إلى تمهيد الطريق لمشاريع جديدة، تشمل تنظيم المعارض وتبادل الأعمال الفنية وإبراز قيمة المجموعات، وتيسير اللقاءات بين الفنانين والباحثين والكتّاب.
ما أبرز آفاق التعاون الثقافي بين الكويت وفرنسا؟
هناك مسارات عدة تستحق البحث والتعمق، من بينها التعاون بشأن المتحف الوطني الجديد، وتنظيم معارض متنقلة بين الكويت وفرنسا، وإبراز تراث الكويت والمنطقة بصورة أوسع أمام الجمهور الفرنسي والأوروبي. ويتزامن العمل على إعادة تصور المتحف الوطني الجديد وتطويره مع تحديث متحف معهد العالم العربي. وآمل أن يبدأ حوار بين فريقي العمل في المتحفين لبحث سبل التعاون والشراكة. ويطمح متحف المعهد الجديد إلى تعريف الجمهور الفرنسي بثراء التراث في الدول العربية، وتسليط الضوء على الإبداع العربي المعاصر. وسيسعدني عرض قطع أثرية اكتُشفت خلال عمليات التنقيب التي أجرتها البعثات الفرنسية في الكويت، ولا سيما في جزيرة فيلكا. فمنذ عقود، يعمل الباحثون الفرنسيون والكويتيون معاً على دراسة هذا التراث الاستثنائي والحفاظ عليه، وهو تراث يقع عند ملتقى حضارات كبرى في العصور القديمة.
وإلى جانب التراث، نسعى إلى تعزيز حضور المشهد الإبداعي الكويتي، ودعم تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية محلياً، وبناء جسور تواصل مع المشهدين الفرنسي والأوروبي. وتوفر مجالات التصميم والأزياء والفنون البصرية والنشر فرصاً واعدة للتعاون، بما يخدم المواهب الكويتية ويعزز حضورها الدولي. كما أتمنى أن يشارك عدد أكبر من المبدعين والمبدعات الكويتيين في الجوائز التي يمنحها المعهد.
كيف يعزز "معهد العالم العربي" حضور اللغة العربية في فرنسا، وفي أوروبا عموماً؟
يضع المعهد نصب عينيه مهمة تثمين اللغة العربية في فرنسا وأوروبا، والتعريف بها لغةً للثقافة، وسنعمل على توسيع نطاق دورات اللغة العربية الموجهة للشباب والبالغين، تلبية للطلب المتزايد عليها، كما سنحرص على أن تكون مسارات زيارة متحفنا الجديد باللغة العربية بالكامل. وإلى جانب أنشطة المعهد المتعددة، نجري مناقشات مع مدن فرنسية عدة لتوفير كتب باللغة العربية في مكتباتها العامة.
ما أبرز ما لمستموه في المشهد الإبداعي الكويتي؟
تتمثل إحدى مهام معهد العالم العربي في الاستفادة من حيوية المشاهد الثقافية العربية، ونسعى إلى تعزيز تنقل الفنانين وتسهيل وصولهم إلى جماهير جديدة، وتشجيع التبادل بين المهنيين في فرنسا والكويت ومنطقة الخليج على نطاق أوسع.
ما دور الأدب العربي في خطط المعهد الباريسي؟
الأدب مرآة تعكس تعقيدات المجتمعات ونقاشاتها وعوالمها المتخيلة وتحولاتها. والكويت، بما تملكه من تقاليد أدبية عريقة وحياة فكرية نشطة، تحتل مكانة بارزة في جهودنا لتعزيز انتشار الأدب العربي في فرنسا وأوروبا. وقد سلط لقائي مع الشيخة الدكتورة سعاد الصباح الضوء على دور الكتّاب والشعراء في تاريخ الإشعاع الثقافي للكويت. ونطمح إلى تشجيع اكتشاف المؤلفين المعاصرين وتعزيز التبادل بين الكتّاب والناشرين، وهو ما يتطلب سياسة نشطة لترجمة الأعمال من العربية إلى الفرنسية.
ومن شأن ذلك إتاحة الأدب الكويتي لقراء جدد، وتعريف الجمهور الفرنسي والأوروبي بصورة أعمق بمجتمعات الكويت وشبه الجزيرة العربية. ويمكن لمعهد العالم العربي، بفضل برامجه وشبكة علاقاته، الإسهام في تقريب المؤلفين والناشرين والقراء.
ما طموحات المعهد في دول الخليج العربية؟
تتمتع دول الخليج بتراث استثنائي، وتعمل على تطوير بنيتها التحتية الثقافية ومتاحفها وصناعاتها الإبداعية. وتفتح هذه الديناميكية آفاقاً واسعة أمام معهد العالم العربي، الذي تتمثل رسالته في تعزيز الحوار بين فرنسا وأوروبا والعالم العربي.
وخلال زياراتي الأخيرة لدول الخليج، أكدت رغبتنا في بناء تعاون قائم على مبدأ المعاملة بالمثل، وبالتنسيق مع المؤسسات المحلية ووفق أولوياتها. ويمكن أن يشمل التعاون المعارض المتنقلة، والتبادل بين المتاحف، والشراكات العلمية، والإبداع المعاصر، والأدب، والصناعات الثقافية والإبداعية... ومن خلال خبراته وشبكة علاقاته، يستطيع المعهد تقريب المؤسسات والمبدعين، ودعم ظهور مواهب جديدة، وتعزيز حضور التراث والمشاهد الفنية الخليجية. وتُعد الكويت، بالنظر إلى تاريخ علاقاتها مع المعهد، شريكاً طبيعياً لتجديد هذا الطموح وتوسيع نطاقه.