الأربعاء 28 أكتوبر 2026
28°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
إيران لم تعد محل ثقة
play icon
الافتتاحية

إيران لم تعد محل ثقة

Add as Preferred Source on Google
Time
الأربعاء 28 أكتوبر 2026
أحمد الجارالله

حين ننظر إلى الصورة التي جمعت موفدين من السعودية وتركيا وباكستان مع مسؤولين إيرانيين في طهران، تبرز الاهمية لهذا الوفد الرفيع المستوى، وكذلك حضور الرئيس مسعود بزشكيان، ومسؤولين كبار في النظام الإيراني.

فالمدرك لطبيعة الدول الثلاث، يعرف أن هذا الاجتماع، ربما يكون الرسالة الاخيرة لإيران، التي عليها الاخذ بها، حتى لو كانت ثمة مواجع ناتجة عنها، لانه بغير ذلك فإن المنطقة مقبلة على تطورات كبيرة، ومن الممكن أن تمس جوهر وجود الدولة الإيرانية، وليس النظام فقط.

هنا لا يمكن التعاطي مع الامور بذهنية الفارسي الذي يبتز خصمه عبر مفاوضات تستمر لسنوات، كما حصل مع الروس قديما، وكذلك الدولة العثمانية، لان الجوهر مختلف حالياً عما كان قبل مئات السنين، ودولة في حالة ضعف لا يمكنها الصمود اكثر امام الموجات التي تهب عليها، ولن ينفع معها التلطي خلف الاذرع في الاقليم، لانها اصبحت ضعيفة كثيراً، أكان في لبنان او العراق، وحتى اليمن.

القارىء للتطورات يدرك أن تلك الاذرع اصبحت اليوم عبئاً على طهران، والشعب الإيراني، فلقمة الخبز بالنسبة للمواطن اهم بكثير من مساندة عصابات ارهابية من اجل تشكيل محور طائفي للسيطرة على دول الاقليم، ولهذا فإن قمع المتظاهرين في يناير الماضي، الذي نتج عنه مقتل نحو 32 الف شخص، شكل علامة فارقة في حياة النظام الذي بات يخاف اكثر من النقمة الشعبية، وهنا نعود إلى ما كانت عليه الاوضاع عشية سقوط نظام الشاه، والاخذ بالعبرة.

لهذا لن تنفع اليوم المماطلة، وتسويف الوقت في مفاوضات عبثية، لان المنطقة تغيرت كثيراً، لا سيما بعد الضعف الذي بانت عليه إيران واذرعها في المنطقة بعد الحرب المستمرة منذ العام 2023، فالواقع يخالف ما ينشره الذباب الالكتروني والتضليل عبر الذكاء الاصطناعي، كما أن الدول لا تقيم وزنا للتضليل، بل تتعامل مع الوقائع، وهي تعمل على خفض التصعيد لان المنطقة ليست بحاجة إلى المزيد من الارهاب.

من هنا، فإن "فن الإرهاق" الذي مارسه الفرس في مفاوضاتهم مع روسيا في القرن التاسع عشر، حتى مل المفاوض الروسي ووافق على معاهدة غلستان، او مع العثمانيين التي استمرت 300 عام، لن تجدي نفعا اليوم، مع التغيرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة، بل العالم.

على هذا الاساس، يمكن البناء على ما جرى في طهران اول من امس، والقراءة بين سطور التصريحات الإيرانية اولاً، والسعودية والتركية والباكستانية ثانياً، ففيها الكثير من الدلالات التي يمكن البناء عليها، اهمها أن العودة إلى الوضع السابق الذي كانت عليه المنطقة منذ العام 1979 حتى عشية الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، باتت مستحيلة.

ثانياً، إن دول "حلف مكة" ليس بوارد التنازل عن امنها القومي، حتى ولو عادت الجماعات الارهابية التي تدعمها طهران إلى افتعال المشكلات في المنطقة، ثالثاً، وهو الاهم، أن الدول الثلاث لن تترك إيران تمارس العبث في المنطقة من دون حساب.

من هنا، فإن رايات النصر سترفع في طهران رغم الهزيمة الكبرى، لكنها كمن يحتضر، فما كتب لن تمحوه اكاذيب إيرانية، وعلى هذا الاساس يمكن النظر إلى ما قاله الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان "استعداد طهران لدعم المبادرات الهادفة إلى تسوية الخلافات وتعزيز الأمن والاستقرار"، لكن يبقى كل ذلك مرهون بالعمل على الارض، وليس الرهان على "فن الارهاق"، لان إيران لم تعد محل ثقة.

آخر الأخبار