الأربعاء 28 أكتوبر 2026
28°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
أيها المعلمون والمعلمات امنعوا المتنمرين
play icon
كل الآراء

أيها المعلمون والمعلمات امنعوا المتنمرين

Add as Preferred Source on Google
Time
الأربعاء 28 أكتوبر 2026
محمد الفوزان
قصص إسلامية

للتنمر عواقب خطيرة، سواء على الشخص الذي يتعرض له، أو الشخص الذي يمارسه، وقد تمتد آثاره إلى الأسرة والمدرسة، والمجتمع.

التنمر ليس مزاحاً بريئاً إذا كان فيه إيذاء، أو إذلال للآخرين. وعلاجه يكون بالتوعية، والتربية على الاحترام، وإيقاف السلوك، ودعم المتضرر، ومحاسبة المتنمر بطريقة مناسبة.

تقول إحداهن: بعد 25 سنة، اكتشفت أن البنت التي تنمرت عليَّ طوال المرحلة المتوسطة أصبحت معلمة ابني، رأيتها للمرة الأولى في اجتماع أولياء الأمور، وفي اللحظة اللي رفعت فيها رأسها تجمدت أطرافي، هي نفسها التي كانت ترمي حذائي في دورة المياه، وتشخبط على ملابسي، وتجعلني أجلس وحدي بعيداً عن بقية الطالبات وقت الغداء.

بعد انتهاء المرحلة المتوسطة، وبسبب التنمر انتقلت للدراسة في مدينة أخرى، وقطعت علاقتي بجميع زميلاتي.

لم أرها، ولا سمعت عنها طوال 25 سنة.

بعد الاجتماع، رجعت إلى البيت، وقلت لزوجي جملة واحدة: "لازم ننقل ولدنا إلى فصل ثان".

وفي صباح اليوم التالي، كنت على وشك الاتصال بالمدرسة. لكن قبل ما أتصل، فتحت دفتر المتابعة الخاص بولدي. وجدت رسالة طويلة كتبتها معلمته.

من أول سطر، عرفت خط يدها. بدأت الرسالة بهذه الكلمات:

"عزيزتي أم الطالب…أعتقد أنكِ ما زلتِ تتذكرينني.

إذا أردتِ نقل ابنك إلى فصل آخر، فسأتقدم بالطلب إلى المديرة بنفسي، لكن عندي طلب واحد فقط: امنحيني سنة واحدة، ودعيني أحمي ابنك".

بدأت يداي ترتجفان وأنا أكمل القراءة.

كتبت أنها بعد انتقالي من المدرسة، بدأت مجموعة أخرى من الطالبات تتنمر على طفلة داخل فصلها. لكن هذه المرة…كانت هي الطفلة المستهدفة.

عاشت بنفسها جزءاً من الخوف والوحدة اللي جعلتني أعيشهما سنوات.

وقتها فقط فَهَمَت حجم الشيء اللي فعلته بي.

قالت في رسالتها إنها حاولت الوصول إليَّ للاعتذار، لكنها ما عرفت أين ذهبتُ، ولا استطاعت العثور على أي وسيلة للتواصل معي، ولهذا اختارت أن تصبح معلمة، أرادت أن تكون الشخص الذي يمنع الأذى نفسه الذي كانت سبباً فيه يوماً ما.

في النهاية، ما نقلت ابني من فصلها.

ليس لأني سامحتها، بل لأني أردت إن أعرف هل تغيرت فعلاً، أم أن رسالتها مجرد كلام.

خلال الفصل الدراسي الأول، أخفى أحد الطلاب مقلمة ابني، في اليوم نفسه، تحدثت المعلمة مع الفصل كاملاً، ثم تواصَلتْ مع أسرة الطالب وتعاملتْ مع المشكلة فوراً. في آخر اجتماع لأولياء الأمور بنهاية السنة، جلست المعلمة أمامي وخفضت رأسها وقالت: "أنا ما أتوقع منكِ أن تسامحيني، لكني فعلاً نادمة وآسفة على كل شيء سويته فيكِ".

لم أعرف أن أرد. الكلام اللي حملته داخلي 25 سنة كان أكبر من أن أختصره في جملتين.

في آخر يوم دراسي، رجع ابني ومعه موضوع تعبير بعنوان "معلمتي". قرأته حتى وصلت إلى السطر الأخير: "معلمتي لا تسمح لأحد أن يتنمر على غيره".

أعدت قراءة الجملة مرات كثيرة.

هذه المرأة التي أفسدت سنوات من طفولتي، أصبحت اليوم هي السبب في أن طفلي لا يعيش التجربة نفسها.

لقد فهمت شيئاً واحداً: لا نستطيع أن نغيّر الماضي، وربما لا نستطيع إن نمسح الألم الذي سببه الآخرون.

لكن الإنسان يقدر أن يتعلم من أسوأ أخطائه، ويختار أن يقضي بقية حياته وهو يفعل عكسها تماماً.

وأحياناً تكون أفضل محاولة للتكفير عن ألم قديم… أن تمنع وقوعه على طفل آخر.

$ إمام وخطيب

آخر الأخبار