بوضوح
في أوقات الأزمات، والتحولات الإقليمية المتسارعة، يتطلع الشارع العربي بأسره نحو الشاشات الفضائية، بحثاً عن إجابات واضحة، وموقف دقيق يفسر ما يجري.
غير أن المشهد المتلفز اليوم لم يعد يقتصر على تقديم الخبر وتحليله بمهنية، بل تحول في جزء كبير منه إلى ساحة للسباق المفتوح، وإثارة المشاعر، عبر ظاهرة لا تقل خطورة عن الأزمات نفسها: استضافة محللين سياسيين يفتقرون إلى الحد الأدنى من المصداقية والمنهجية.
شاشات تغلي... ومحللون بلا رصيد
مع التطورات الجارية في المنطقة، أصبحت بعض الاستوديوهات تنتج عشرات الساعات التحليلية يومياً. وفي سبيل ملء هذا الفراغ زمنياً، باتت بعض القنوات تعتمد على قائمة طويلة ممن يُطلق عليهم "خبراء ستراتيجيون" أو "محللون سياسيون".
والمؤسف أن جزءاً غير قليل من هؤلاء لا يستندون في أطروحاتهم إلى معرفة عميقة بالعلوم السياسية، أو معطيات الميدان الواقعية، بل يكتفون بترديد انطباعات شخصية، أو الترويج لسيناريوهات خيالية لا تخدم سوى الإثارة.
إن التحليل السياسي في معناه الأصيل هو عملية تفكيك منطقية للأحداث بناءً على التاريخ، والمصالح المتشابكة، والقدرات الإقليمية والدولية. أما ما نشهده اليوم، فهو أقرب إلى "التنجيم السياسي" الذي يعتمد على أسلوب الجزم الحاسم، والعبارات الرنانة مثل"المنطقة على شفير حرب شاملة خلال ساعات"، أو "القرار اتُّخذ والرد قادم لا محالة".
دوافع الظاهرة: أبعاد تجارية وأجندات موجهة
يعود انتشار هؤلاء "المحللين" إلى عوامل عدة تتجاوز الفهم السطحي للإعلام، والبحث عن المشاهدات (الإثارة الكاذبة)، وتفضل بعض المحطات الضيف الذي يطلق تصريحات حادة وصادمة؛ لأنها تحقق نسب مشاهدة عالية، وتنتشر بسرعة على شبكات التواصل الاجتماعي، بصرف النظر عن صحة المحتوى.
غياب التدقيق والمساءلة
وقليلاً ما نجد مذيعاً يواجه المحلل بتنبؤاته المخطئة السابقة، مما يمنح الضيف مساحة مستمرة لتكرار الادعاءات، دون خوف من فقدان اعتباره العلمي.
والتوجيه والتأطير الإعلامي: تُستخدم بعض هذه الشخصيات كأدوات في الحرب النفسية والتوجيه الإعلامي المباشر، حيث تُلقى التحليلات لتمرير الرسائل الموجهة أو لتهويل أوتهوين أحداث بعينها لصالح أجندة المحطة.
أخطار التضليل في الظروف الحالية
إن الانجرار وراء التحليلات غير الموثوقة في هذه الظروف الإقليمية الدقيقة يحمل مخاطر حقيقية على مستويات عدة منها صنع الهلع العام، وترويج سيناريوهات المواجهة الشاملة، والانهيار الوشيك، دون استناد إلى واقع، يزرع القلق والخوف لدى الرأي العام، ويؤثر سلباً على حركة المجتمع والاقتصاد.
وتزييف الوعي الجمعي يؤدي توالي المعلومات الخاطئة إلى تعمية المتابع عن فهم الدوافع الحقيقية للأزمات، وكيفية التعامل العقلاني معها.
تسطيح القضايا المصيرية، وتحويل النزاعات المعقدة التي تشارك فيها دول وأطراف متعددة، إلى مجرد مناكفات كلامية، أو قراءات مبسطة يُفقد الجمهور القدرة على تقييم المخاطر الحقيقية.
كلمة أخيرة: إن المسؤولية اليوم مشتركة، والوعي مطلوب في ظل هذه الظروف الحرجة
نقشة
اتمنى تجميل الساحات المفتوحة امام بعض الوزارات، بدل أن تكون ساحات ترابية تقتل المنظر الجمالي للوزارة.