ناجح بلال
في وقت يعيش فيه الاقتصاد العالمي تحت وطأة أزمة طاقة خانقة ألقت بظلالها الثقيلة على القارة الأوروبية وتسببت في موجة عارمة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية يبرز قطاع النفط الكويتي كعنصر استقرار ستراتيجي رئيسي للأسواق الدولية وتحت وطأة الحرب المستعرة التي دخلت شهرها الثامن والتي تستعر في المنطقة تصاعدت حدة الضغوط على خطوط الإمداد العالمية بشكل غير مسبوق.
وفي السياق، ذاته أكد الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية الاقتصادية الكويتية سلطان الجزاف أن التعطل الشبه كامل لحركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز أدى إلى شلل جزئي في تدفقات الخام الخليجي مما دفع بأسعار النفط والوقود إلى مستويات قياسية تخطت حاجز 110 دولارات للبرميل وهي مستويات غير قابلة للاستيعاب من قبل المستهلكين في الغرب.
وذكر الجزاف أن هذا الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة انعكس مباشرة على شكل قفزات جنونية في تكاليف المعيشة داخل المدن الأوروبية بنسبة بلغت نحو 25 % وشمل ذلك ارتفاعا قياسيا في أسعار وقود التدفئة والسيارات بالتزامن مع تضخم حاد في القطاع العقاري وأسعار الإيجارات والمنتجات الغذائية الأساسية مما أشعل فتيل احتجاجات شعبية وتوترات سياسية هددت استقرار الحكومات الأوروبية التي باتت تعاني من أزمة مزدوجة بين تأمين الإمدادات وتهدئة الشارع الغاضب الذي خرج بمئات الآلاف في أكثر من 10 عواصم أوروبية تنديدا بغلاء المعيشة وفشل السياسات الاقتصادية في احتواء آثار الصراع الإقليمي المستمر.
وتابع الجزاف أن المشهد سيزداد قتامة لو استمرت هذه الحرب لأكثر من عام حيث يتوقع أن يدخل الاقتصاد الأوروبي في ركود تضخمي طويل الأمد قد يؤدي إلى انهيار صناعات ثقيلة تعتمد على الطاقة المكثفة وتراجع ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 3 و 5% وإذا ما استمر إغلاق مضيق هرمز الذي يعبر من خلاله نحو 20%من استهلاك النفط العالمي فإن الضغط سيتضاعف على الناقلات الكويتية والخليجية ولن يكون هناك أي منفذ سوى ابتكار مسارات بديلة لزيادة الإنتاج والتصدير عبر منافذ أخرى وهو ما يضع الكويت في صدارة القوى التي سيتوقف على استقرار صادراتها مصير الأمن الاقتصادي الغربي والآسيوي على حد سواء مما يعزز النفوذ الجيوسياسي للدبلوماسية النفطية الكويتية في رسم خارطة الطاقة العالمية للمرحلة المقبلة.
وفي حال استمرار الحرب لعامين أو أكثر قال الجزاف إن التأثير على التضخم العالمي سيكون كارثيا ومدخلا لمرحلة من الانهيار المالي غير المسبوق حيث أن بقاء مضيق هرمز مغلقا طوال هذه المدة سيقود أسعار النفط للقفز فوق حاجز 180 دولارا للبرميل مما ينعكس سريعا على مؤشر أسعار المستهلكين العالمي ليرتفع بنسب تتراوح بين 12 و 15% متسببا في موجة تضخمية ثانية تضرب كافة القطاعات الانتاجية والخدمية بلا استثناء ولن يقتصر التضخم على أسعار الوقود بل سينتقل مباشرة إلى سلاسل الإمداد العالمية ليرفع تكلفة الشحن البحري بنسبة 300 %وتكلفة الأسمدة والمواد الكيميائية مما يهدد بأزمة أمن غذائي عالمي ترتفع معها أسعار الحبوب والسلع الأساسية بنسبة تفوق 40% في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء مما يجبر البنوك المركزية الكبرى وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية قد تتجاوز 8 % كأداة وحيدة ومؤلمة لكبح جماح الأسعار وهذا بدوره سيؤدي إلى جفاف السيولة المالية وزيادة كلفة الاقتراض للمؤسسات والأفراد مما يدخل الاقتصاد العالمي في حالة جمود اقتصادي تام يرافقه كساد في حركة التجارة الدولية وارتفاع حاد في معدلات البطالة العالمية لتصل إلى 9%.
ولفت الجزاف إلى أن طول أمد الحرب سيحول الأزمة من نقص في موارد الطاقة إلى انهيار في القوة الشرائية العالمية لتبدأ الأسواق في إعادة تسعير الأصول بناء على معطيات جيوسياسية معقدة تستمر لسنوات طويلة ولذا فالحل يكمن في أن تعجل "مؤسسة البترول" في زيادة مخازن النفط في أسيا ويجب أن تتوجه لزيادة التخزين أيضا في أوروبا وأميركا وكافة قارات العالم مع ضرورة انشاء صناعات غذائية كبرى في الكويت.