تشهد الساحة القانونية والاقتصادية اليوم ثورة غير مسبوقة تقودها تقنيات "البلوكشين" وما ينبثق عنها من ظواهر حديثة كـ "العقود الذكية" والعملات المشفرة مثل "البيتكوين". وفي حين يرى أنصار هذه التقنيات أنها أمل المستقبل لتجاوز الروتين والوسطاء، إلا أن النظر إليها بعين القانون يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمتها للمبادئ المستقرة في أصول القانون، وما إذا كانت تشكل بالفعل تطوراً أم مجرد بيئة خصبة للفوضى القانونية.
أولاً: الإيجابيات والمزايا التقنية: لا يمكن إنكار أن تقنية التشفير، والعقود الذكية جاءت بحلول مبتكرة لبعض عيوب المعاملات التقليدية:
1 - سرعة التنفيذ والاستغناء عن الوسطاء: تُنفذ العقود الذكية آلياً بمجرد تحقق الشروط البرمجية، مما يلغي الحاجة للبنك أو الموثق أو السمسار.
2 - شفافية البيانات وصعوبة التزوير: يعتمد التشفير على سجلات موزعة تجعل تغيير البيانات أو تزييفها أمراً شبه مستحيل تقنياً.
3 - عالمية المعاملات: تتجاوز العملات الرقمية الحدود الجغرافية، مما يسهل النقل المالي المباشر عبر الدول دون رسوم تحويل باهظة.
ثانياً: النقد القانوني والسلبيات (وجهة النظر النقدية)
رغم المزايا البرمجية الباهرة، إلا أن المقاربة القانونية لهذه التقنيات تكشف عن ثغرات وإشكاليات عميقة في أصل النظرية العامة للقانون والعقد:
1 - قصور العقد الذكي عن استيعاب "الإرادة البشرية":
• العقد في أصول القانون يبتدئ بالإرادة والرضا (إيجاب وقبول)، وهو قابليّة مستمرة للتعديل أو الإبطال إذا شاب الإرادة عيبٌ كالإكره أو الغلط أو التدليس.
• العقود الذكية جماد برمجي ينفذ الأوامر بصماء؛ لا يعترف بالظروف الطارئة، ولا يراعي مبدأ "حسن النية" في تنفيذ العقود، ولا يمكن إيقافه حتى لو تبين للطرفين وقوع غلط جوهري.
2 - غياب السلطة الرقابية وضياع الحقوق:
• تقوم فلسفة البيتكوين والتشفير على "اللامركزية المطلقة"، أي إلغاء دور الدولة والسلطة القضائية. وهذا يتناقض مع جوهر القاعدة القانونية التي تُستمد قوتها من الجزاء المنظم والمقتدر الذي تفرضه السلطة العامة.
• عند حدوث احتيال أو ثغرة برمجية، لا يوجد جهة يُلجأ إليها لإعادة الحق أو تجميد الأموال، مما يجعل الفرد تحت رحمة البرمجيات لا تحت حماية القانون.
3 - سهولة الاستغلال في أنشطة غير مشروعة:
• توفر العملات الرقمية بيئة مجهولة الهوية، مما يجعلها أداة خصبة لغسيل الأموال، التهرب الضريبي، وتمويل الأنشطة غير المشروعة، وهو ما يصادم الفكرة الأساسية للقانون الداعية لنظام عام واستقرار اقتصادي.
4 - تذبذب القيمة وإخلال شرط الثبات الاجتماعي:
• التقلب الشديد في قيم العملات المشفرة يتنافى مع أهداف أصول القانون في صيانة استقرار المعاملات ومنع الغرر والضرر الفاحش بأحد الأطراف.
من واقع القراءة النقدية، يمكن القول إن التطرف في تمجيد التكنولوجيا وإلغاء القانون هو طرح غير واقعي. إن "العقد الذكي" بوضعه الحالي ليس إلا برنامجاً آلياً لتنفيذ الالتزامات وليس عقداً قانونياً متكاملاً؛ إذ يفتقر إلى المرونة، والقدرة على تطبيق مبادئ العدالة والتأويل القانوني عند النزاع.
التطور التقني أمر حتمي لا يمكن الوقوف بوجهه، لكن الحل لا يكمن في ترك المعاملات الرقمية بلا ضابط، بل في إعادة صياغة التشريعات لتأطير هذه التقنيات وتطويعها، بحيث تصبح "العقود الذكية" وسيلة تُدار تحت مظلة القانون والقضاء، لا بديلاً عنهما.
جوزاء حمود المطيري
كلية الدراسات التجارية، تخصص قانون