في تفاصيل الحياة اليومية في المجتمع الكويتي، نجد ظاهرة متجذرة تُمارس أحياناً كنوع من "التخديم" أو "المساعدة الاجتماعية"، لكنها في الحقيقة سوس ينخر في جسد العدالة وسيادة القانون؛ إنها ظاهرة "الواسطة" أو المحسوبية.
نشاهد بالواقع اليومي مشاهد متكررة: موظف مُجدّ يُستبعد من ترقية يستحقها لصالح آخر أقل منه كفاءةً، لكنه يستند إلى "معارف"، أو معُاملة حكومية معقدة تُنجز بغضون دقائق بمجرد اتصال تلفوني من صاحب نفوذ، بينما ينتظر المواطن الملتزم بالقانون أسابيع في الطوابير
إن الاستهانة بالمحسوبية واتبارها مجرد "قضاء حاجة" هو مغالطة مجتمعية خطيرة. فالواسطة ليست مجرد تجاوز إداري بسيط، بل هي تعدٍّ صارخ على حقوق الآخرين، وجريمة ناعمة تهدم قيم العمل والإنجاز،
عندما يتساوى "المكتظ" بالواسطة مع الكفء، أو يتفوق عليه، يُصاب الشباب بالشعور بالاحباط والمظلومية، مما يدفع العقول والمبدعين إلى التقاعس أو الهجرة، وينتج عن ذلك جهاز إداري ضعيف يعتمد على الولاءات الشخصية لا الكفاءة العملية. إن التغاضي عن هذه الظاهرة يؤدي إلى تفكيك مفهوم المواطنة الدستورية التي تقوم على المساواة والعدل في البلاد.
يقع ذالك من قانون الدستور الكويتي المادة السابعة، تنص على أن "العدل والحريّة والمساواة دعامات المجتمع، والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطنين". فالواسطة تضرب جدار المساواة في مقتل.
المادة ٢٩: تؤكد أن "الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة"
إن سيادة القانون لا تُقاس فقط بوجود النصوص التشريعية الممتازة، والدستور الكويتي من أثرى الدساتير في حماية الحقوق، بل تُقاس بمدى تطبيق هذه النصوص على الجميع دون استثناء. إن القضاء على ظاهرة الواسطة يتطلب تغييراً وثقافة مجتمعية تبدأ من رفضنا لها كمواطنين، وتطبيقاً صارماً حازماً لمبدأ الحوكمة والشفافية من قِبل مؤسسات الدولة، حتى ننتقل من مجتمع من تعرف، إلى مجتمع ماذا تقدم وتستحق؟
الجوري محمد العازمي
كلية الدراسات التجارية، تخصص قانون