اقتصاديون أكدوا لـ "السياسة" دورها في تحصين الميزانية العامة من تقلّبات الأسواق العالمية
د.صادق البسام: التوسع في الصناعات الثقيلة صمام أمان للاقتصاد الوطني
ناصر العطار: تفعيل ميناء مبارك الكبير في الشمال قفزة صناعية كبرى
ناجح بلال
في وقت يمر فيه الاقتصاد الوطني بمفترق طرق عبر التحول نحو آفاق تنموية مستدامة والابتعاد عن مصدر وحيد للدخل يبرز الملف الصناعي كإحدى أهم الركائز الستراتيجية التي تراهن عليها الدولة لإعادة هيكلة بنيتها الإنتاجية وسد عجز الموازنة وخلق فرص عمل حقيقية للكوادر الوطنية، وهنا يبرز دور القطاع الصناعي.
ورأى خبراء التقتهم "السياسة" حول آليات تحويل الكويت إلى مركز صناعي إقليمي متطور بالاستفادة من موقعها الجغرافي الاستثنائي ومشاريعها اللوجستية العملاقة، فضلا عن تقنية الذكاء الاصطناعي التي تقدمت بها البلاد بشكل لافت وقدرتها على توطين هذا النوع من الصناعة دون الحاجة الى اياد عاملة خارجية باعداد كبيرة.
بداية أكد الخبير الاقتصادي ورئيس قسم المحاسبة في جامعة الكويت د صادق البسام في تصريح لـ "السياسة" على أهمية التوسع في الصناعة الثقيلة والمتوسطة وليس فقط الاعتماد على الصناعات الصغيرة خصوصا أن موقع الكويت يساعدها على تصدير المنتجات الصناعية لافتا في الوقت ذاته إلى أن بناء قاعدة صناعية متينة يتطلب صياغة استراتيجية وطنية شاملة تمتد على مدى 10 أو 15 سنة مقبلة تركز على تحويل الكويت إلى مركز صناعي إقليمي مستفيدة من الموانئ والبنية التحتية اللوجستية التي تؤهلها للوصول إلى أسواق عالمية.
وأضاف أن الاستثمار في الصناعات الثقيلة مثل البتروكيماويات والحديد والصلب والسيارات وخلافه لاسيما وأن هذه الصناعات تمتلك قيمة مضافة عالية وتساهم في خلق أكثر من 20000 فرصة عمل حقيقية ومستدامة للشباب الكويتي في غضون سنوات قليلة.
وذكر البسام أن الانتقال من مرحلة الاعتماد على الصناعات التحويلية الخفيفة إلى مرحلة التصنيع الثقيل يتطلب توفير حوافز جاذبة للمستثمرين المحليين والأجانب مشيرا إلى أن اتجاه الدولة حاليا لإنشاء مدن صناعية متكاملة ومجهزة بأحدث التقنيات خطوة جيدة للأمام.
وعلى ذات الصعيد طرح المحلل الاقتصادي ومراقب أسواق المال ناصر العطار رؤية تحليلية حول أهمية دخول الكويت بقوة في عالم الصناعة، حيث رأى أنها أصبحت ضرورة لتنويع مصادر الدخل في البلاد حتى لا يظل النفط السلعة ذات الدخل الأكبر إلى ما لا نهاية مؤيدا في الوقت ذاته دخول البلاد في مشاريع صناعية ثقيلة مع زيادة التوسع في المشاريع الصناعية المتوسطة والصغيرة لاسيما وأن الكويت تعيش حاليا في مفترق طرق حيث تشهد حالة من تدفق الأفكار الصناعية والتكنولوجية يقودها فكر كويتي شبابي طموح وقادر على العطاء والابتكار.
وشدد العطار على أن تفعيل دور ميناء مبارك الكبير يمثل القفزة الستراتيجية الحقيقية للتوسع في الصناعة الكويتية في المنطقة الشمالية باعتباره البوابة اللوجستية الأقرب للأسواق الإقليمية الكبرى في آسيا والشرق الأوسط مما يمنح المصانع الكويتية ميزة تنافسية استثنائية في عمليات الشحن والتصدير السريع ومصانع إعادة التدوير.
وأشار العطار إلى أن إنشاء مدن صناعية جديدة ومتكاملة الخدمات في شمال البلاد سيتيح إنشاء مجمعات صناعية عملاقة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة وتستقطب الاستثمارات الضخمة مما يحول الكويت من بلد مستهلك إلى مركز تصديري رائد يساهم بفاعلية في رفع نسبة مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي وبهذا فتفعيل ميناء مبارك الكبير ليس مجرد إضافة لبنية النقل التحتية بل هو إعادة صياغة للموقع الجغرافي الكويتي ليصبح ممرا دوليا يربط خطوط التجارة العالمية.
وفي ذات السياق أكد المستشار الاقتصادي نواف المطيري أن القطاع الصناعي يمتلك القدرة الكامنة على رفد خزينة الدولة بعوائد مالية غير نفطية مستدامة ناتجة عن التصدير والرسوم المباشرة وتحفيز الدورة الاقتصادية المحلية وزيادة تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية بنسبة نمو مستهدفة تصل إلى 15% سنويا مما يقلل الاعتماد السلبي على السحب المستمر من الاحتياطيات السيادية.
وبين المطيري أن كل دينار واحد يتم استثماره في المصانع المحلية يولد عائدا مضاعفا يقدر بنحو 2.5 دينار في قطاعات الخدمات واللوجستيات والتجارة المساندة مما يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأجيال القادمة ويضمن تحقيق الرؤية التنموية الشاملة للدولة برفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من نسبتها الخجولة الحالية.
ولفت المطيري إلى أن الأنشطة الإنتاجية الصناعية حاليا تتوزع على نحو 12 منطقة صناعية وحرفية جرى تصنيفها جغرافيا وبيئيا لاستيعاب مختلف القطاعات حيث تبرز منطقة الشعيبة الصناعية كأهم المعاقل المخصصة للإنتاج الثقيل والستراتيجي مثل البتروكيماويات بينما تستوعب مناطق الشويخ والري وصبحان والأحمدي الصناعات الخفيفة والورش الغذائية واللوجستية لتشكل معا الشريان الإنتاجي الحالي الذي يضم نحو مايقرب من 1418 منشأة قائمة.
واعتبر المطيري أن القفزة الحقيقية بدأت مع انتقال الدولة نحو عصر المدن الذكية والمتكاملة لاسيما وأن الخطط الستراتيجية الرامية لتطوير 5 مدن صناعية جديدة كبرى بحلول عام 2030 مثل مدينة النعايم والمدن الشمالية المحاذية لميناء مبارك الكبير تهدف رفع مساهمة المنتج الوطني في السوق المحلية ليتجاوز 30 في المئة لاسيما وأن تلك المدن ستحول الكويت إلى قطب إنتاجي إقليمي منافس وقادر على تنويع الدخل.