حماية منظومة الأسرة قبل فوات الأوان
Add as Preferred Source on Googleتشهد الكويت خطاباً يرفع شعارات حماية المرأة والطفل تحت مسميات "تمكين المرأة"، و"الفكر المعاصر" و"البروتوكولات الدولية" و"العنف الأسري"، والمقلق أن بعض هذه الطروحات يتعامل مع التجارب الغربية باعتبارها نماذج جاهزة للإصلاح، دون تمحيص، أو مراعاة اختلاف القيم والبيئات، فكيف نأتمن على منظومة الأسرة الكويتية مفاهيم لا تُوزن بميزان شريعتنا وخصوصيتنا الاجتماعية؟
وتزداد الخطورة حين تستعين بعض الجمعيات النسائية بمنظمات أجنبية، وسفراء دول غربية لتسويق رؤيتها، وتُمنح هذه الجهات منابر محلية تُقدَّم من خلالها تجاربها بوصفها الطريق إلى التقدم وتحسين التصنيفات الدولية، فالاستفادة من خبرات الآخرين أمر مفهوم، أما التعامل معهم باعتبارهم أوصياء على مجتمعنا، أو مراجع تعلو على سيادتنا التشريعية، فأمر مرفوض، ولا يجوز أن تصبح مكانة الكويت مرهونة برضا جهات خارجية عن قوانين الأسرة فيها.
إن الأسرة أساس المجتمع، وأي تغيير في القوانين يمتد أثره إلى الزوجين والأبناء والأجيال المقبلة، ولذلك لا يكفي أن يحمل المشروع عنواناً جذاباً حتى يستحق القبول، إنما يُقاس بما يحققه من عدالة واستقرار وحماية فعلية من الظلم، وما يمنعه من نزاعات وتفكك واستغلال، كما أن الاعتراض على نموذج مستورد، لا يعني رفض الإصلاح، بل المطالبة بإصلاح واعٍ يحمي المجتمع ويستجيب لحاجاته.
وتؤكد أهمية دعم الأسرة المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان لأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى فلورانس باور، إذ أوضحت، في مقالة نشرتها في 11 يوليو 2025، أن العوائق الاقتصادية وارتفاع تكاليف السكن ورعاية الأطفال، وعدم استقرار العمل تمنع كثيرين من إنجاب العدد الذي يرغبون فيه، ودعت إلى سياسات داعمة للأسرة، وهو ما يدعم مطالبتنا بتشريعات وإجراءات تعالج معوقات تكوين الأسرة واستقرارها، وتُقاس بآثارها الواقعية على حياة الناس.
فمن المؤسف أن يُختزل النقاش في حقوق طرف واحد، وأن يُصوَّر الرجل والمرأة كخصمين تتعارض مصالحهما بالضرورة، فالمرأة أم وزوجة وابنة وشريكة في بناء المجتمع، والرجل أب وزوج وابن يتحمل مسؤولياته، والطفل يحتاج إلى رعاية تحفظ صلته بوالديه وتحميه من صراعاتهما، وأي معالجة تتجاهل هذا التكامل قد تنقل الخلاف من داخل الأسرة إلى مواجهة دائمة بين أبنائها. نعم، نريد حماية المرأة من الاعتداء والظلم، وصيانة حقوقها وكرامتها، ونريد حماية الطفل من الإيذاء والإهمال، لكن وفق مبادئ الشريعة وثوابت المجتمع، وبما يجمع الحقوق والواجبات، ويحفظ مكانة الوالدين ومسؤوليتهما التربوية، فالكويت لديها منظومة دينية وأخلاقية، واجتماعية، لا يجوز تفريغها من محتواها تحت ضغط الشعارات أو الرغبة في استنساخ تجارب الآخرين.
ومن هنا تبرز ضرورة مراجعة قانون العنف الأسري وتطبيقاته، لضمان حماية المتضرر، وتمييز الاعتداء عن التوجيه، والحزم التربوي المشروع الخالي من الإيذاء والإهانة، فلا تتحول النصوص الفضفاضة أو التفسيرات المتعسفة إلى مصدر خوف لدى الوالدين من ممارسة مسؤوليتهما، ولا تصبح الخلافات الزوجية العادية مجالاً لتبادل الاتهامات وتصعيد النزاع، فالقانون الناجح يحمي من العنف ويصون العدالة، ويمنع إساءة استعمال إجراءاته.
كما ينبغي التصدي للبلاغات الكيدية متى ثبتت، دون تعطيل حق المتضرر في الشكوى والحماية، وتعزيز الإرشاد والإصلاح الأسري في الخلافات التي تقبل التسوية، وتسريع الفصل في الحقوق، حتى لا يصبح طول الإجراءات وتكاليفها عبئاً إضافياً على الأسرة، أو وسيلة ضغط يستعملها أحد الطرفين ضد الآخر، ويدفع الأبناء ثمنها من استقرارهم النفسي وصلتهم بوالديهم.
لذلك تحتاج مسودة تعديل قانون الأحوال الشخصية إلى نقاش مسؤول، ودعم لكل ما يعزز فيها استقرار الأسرة، وعدالة الحقوق والواجبات، وينظم الحضانة والرؤية والنفقة بما يحمي الطفل من التجاذبات، ويحفظ حقوق المرأة ودور الرجل، فالزواج رباط ديني ومسؤولية مشتركة، والتشريع مطالب بتشجيع استمراره على أساس المودة والعدل، ومنع تحويل الانفصال إلى باب للمكاسب أو الانتقام.
وعلى الجمعيات النسائية والمحامين، وسائر المعنيين أن يقدّموا مصلحة الأسرة على الانتصار لرؤية فئوية، وأن يناقشوا مواد المسودة بنداً بنداً، ويبيّنوا مواضع الخلل والبدائل، فالحوار الجاد يحتاج إلى حجج واضحة ودراسات للآثار المتوقعة، وإلى الاستماع للآباء والأمهات والمتخصصين في الشريعة والقانون والتربية، وصولاً إلى تشريع يوازن بين الحقوق ويعالج المشكلات الواقعية، ويخضع تطبيقه للتقييم والمراجعة.
إن نقل الفكر الغربي كما هو تحت عنوان التمكين قد يتحول إلى انتحار اجتماعي بطيء، فالتمكين الحقيقي أن نبني نموذجنا من قيمنا الإسلامية وتراثنا الكويتي المشرّف، وأن نستفيد من التجارب الإنسانية بوعي وتمحيص، لنحفظ الأسرة ونكرّم المرأة ونحمي الطفل ونصون مسؤولية الرجل، ونؤسس مجتمعًا قويًا متماسكًا يبني كويت المستقبل بخطى ثابتة.