الهواء والماء... والإنترنت
Add as Preferred Source on Googleكنا نظن أن احتياجات الإنسان الأساسية للحياة تقتصر على الهواء والماء، ثم الطعام. لكن الثورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة أدخلتنا إلى عالم جديد موازٍ للعالم الواقعي؛ عالم الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي.
وضع عالم النفس الأميركي أبراهام ماسلو عام 1943 هرمه الشهير للحاجات الإنسانية، وهو يرتب الدوافع بشكل تصاعدي: يبدأ بالاحتياجات الفسيولوجية كالهواء والماء والطعام والنوم، ثم الأمان والاستقرار، ثم الحب والانتماء، ثم التقدير والاحترام، وفي القمة تحقيق الذات والوصول إلى أقصى ما يستطيع الإنسان تحقيقه من إمكاناته.
لكنني أتساءل هنا: هل تغير هرم احتياجات الإنسان مع تغير الزمن؟
فالإنسان الذي عاش قبل مئات السنين لم يكن بحاجة إلى الكهرباء، أو الهاتف أو الإنترنت، بينما يعتمد عليها الإنسان المعاصر بصورة متزايدة في عمله وتعليمه، وتواصله وحياته اليومية. فالإنترنت اليوم ليس مجرد وسيلة للترفيه؛ بل هو وسيلة للعمل، والتعليم والتجارة والحصول على المعلومات، والخدمات الحكومية والمصرفية والصحية، وحتى بناء العلاقات الاجتماعية.
ومن هنا يمكن أن نتصور ظهور طبقة جديدة من الاحتياجات لم تكن موجودة في هرم ماسلو الأصلي: الاحتياجات الرقمية.
هل نحن أمام نسخة جديدة من هرم ماسلو، يكون فيها الاتصال الرقمي والإنترنت جزءاً من احتياجات الإنسان الحديثة؟
ولمحاولة الإجابة، أجريت استطلاعاً بسيطاً، قد لا أكون أول من فعله، شمل أكثر من 220 طالباً، داخل البلاد وخارجها على مدى السنتين الماضيتين، إضافة إلى عدد من الأهل والأصدقاء من أعمار وبيئات مختلفة. ورغم سهولة الإجابة، فقد كانت تستغرق وقتاً، ويصاحبها جو من المرح والضحك المتواصل.
وكان السؤال افتراضياً: لو نُقلت إلى جزيرة لا يسكنها أحد، ومتوافر فيها الماء والطعام والأمان، وسُمح لك بأن تأخذ معك غرضاً مادياً واحداً، أو شخصاً واحداً فقط، فماذا تختار؟
اختلفت الإجابات، وارتبطت بدرجة كبيرة بالعمر والجيل.
• أما الأطفال، فمالت إجاباتهم إلى اختيار الأم لما يشعرون به معها من أمن وأمان، بالإضافة إلى الألعاب.
• أما الفتيان والشباب حتى عمر 29 عاماً، فظهر الإنترنت والألعاب الإلكترونية والهاتف النقال، وأصبح الاتصال بالعالم الخارجي جزءاً مهماً من الاختيار.
• أما الأعمار الأقل من 45 عاماً، فمالت النسبة الأكبر إلى اختيار الهاتف النقال، بشرط توافر الإنترنت.
• أما من تجاوزوا 45 عاماً، فتنوعت اختياراتهم؛ فاختار بعضهم رفيقاً عزيزاً كالزوج أو الصديق، واختار آخرون القرآن أو شيئاً ذا قيمة روحية أو عاطفية، ولم يختر الهاتف إلا نسبة قليلة.
ومن خلال هذا الاستطلاع البسيط، الذي لا أدّعي أنه دراسة علمية ممثلة لجميع أفراد المجتمع، لفت انتباهي أمر مهم: لم يعد الإنترنت لدى كثير من الناس مجرد وسيلة للترفيه أو التواصل، بل أصبح جزءاً أساسياً من طريقة حياتهم. فالهاتف من دون الإنترنت فقد جزءاً كبيراً من قيمته.
ويمكن أن نرى تطور احتياجات الإنسان بصورة رمزية: الهواء، الماء، الطعام، الأمان، الانتماء، التقدير، تحقيق الذات، الاتصال الرقمي.
وبالطبع، لا يمكن مقارنة الإنترنت بالهواء أو الماء من الناحية البيولوجية، فالإنسان يستطيع أن يعيش جسدياً من دونه؛ لكن المقارنة تتعلق بدرجة الاعتماد عليه في نمط الحياة الحديث.
وماذا بعد الإنترنت؟
والسؤال الأهم ليس فقط: هل أصبح الإنترنت ضرورة،بل: إلى أين سيأخذنا هذا الاعتماد؟
فجيل الإنترنت يتقدم، والأجيال الجديدة تولد وهي أكثر ارتباطاً بالعالم الرقمي. ومع دخول الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والأجهزة الذكية إلى تفاصيل حياتنا، قد يصبح الإنترنت بيئة متكاملة نعيش، ونعمل، ونتعلم ونتواصل من خلالها.
وقد يزداد الاعتماد على الروبوتات الخدمية التي تساعد الإنسان في المنزل والعمل والتعليم والرعاية.
وكما يصعب علينا اليوم تخيل حياتنا من دون الإنترنت والهاتف الذكي، فقد تبدو الحياة من دون الروبوتات شديدة الصعوبة، وربما أقرب إلى الجحيم، بالنسبة للأجيال التي ستنشأ وهي معتادة عليها.
وهنا يطرح المستقبل سؤالاً أكبر: هل نحن من سيستخدم التكنولوجيا، أم سنصل يوماً إلى مرحلة لا نستطيع فيها الاستغناء عنها؟ بدأنا بالهواء والماء والطعام، ثم أصبحنا نعتمد على الكهرباء والهاتف والإنترنت، واليوم ندخل عصر الذكاء الاصطناعي، وغداً قد يصبح الروبوت جزءاً من كل تفاصيل حياتنا.
وربما يحتاج هرم ماسلو في المستقبل إلى إعادة رسم؛ ليس لأن الاحتياجات القديمة اختفت، وإنما لأن الإنسان أضاف إلى حياته احتياجات جديدة لم تكن معروفة عندما وضع ماسلو نظريته.