الثلاثاء 03 نوفمبر 2026
29°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
المسافات... تُنقذ أرواحنا من التعب
play icon
كل الآراء

المسافات... تُنقذ أرواحنا من التعب

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 02 نوفمبر 2026
فاطمة ناصر المزيعل


ليست كلُّ مسافةٍ فتوراً، ولا كلُّ اقترابٍ مودة، ولا كلُّ ابتعادٍ خسارة؛ فثمّة مسافاتٌ لا نختارها لأنّنا فقدنا التقدير والاحترام، بل لأنّنا تعلّمنا أخيراً كيف نحمي قلوبنا من الاستنزاف، ونصون أرواحنا من تعبٍ لا تُجدي معه كثرة العتاب.

من علامات النضج الإنساني أن ندرك أنّنا لا نملك سلطة تغيير طبائع الآخرين، ولا نستطيع إجبارهم على فهمنا، أو احترام مشاعرنا، لكنّنا نملك حقّ اختيار المسافة التي تحفظ لنا كرامتنا وهدوءنا. فالعلاقات الصحية لا تقوم على إعادة تشكيل الناس وفق رغباتنا، بل على تقبّل اختلافهم، مع رفض ما يؤذينا منهم.

وقد عبّر الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس عن هذه الحقيقة بقوله: "ليست الأشياء هي التي تُقلق الناس، بل أحكامهم على الأشياء". وهي فكرة تذكّرنا بأنّنا، وإن عجزنا عن التحكّم في تصرّفات الآخرين، نستطيع أن نختار استجاباتنا، وألّا نمنح كلّ موقفٍ القدرة على سرقة سلامنا الداخلي.

كم من إنسانٍ استنزف عمره في شرح نواياه، لمن لا يريد أن يفهم، وفي انتظار اعتذارٍ لا يأتي، وفي محاولاتٍ متكرّرة لإصلاح علاقةٍ يحمل عبئها وحده!

يظنّ أنّ المزيد من العطاء سيوقظ التقدير، وأنّ طول الصبر سيغيّر الطباع، حتى يكتشف أنّ بعض المعارك لا تُحسم بالكلام، وأنّ بعض العلاقات لا تحتاج إلى مواجهةٍ صاخبة بقدر ما تحتاج إلى إعادة ترتيب المسافات.

وكما يقال؛ لا تجعل قلبك محكمةً دائمةً تدافع فيها عن شخصٍ لا يحاول فهمك، ولا يكلّف نفسه عناء تقديرك، أو احترام ما بينكما؛ فالعلاقات لا تُصان بكثرة التبرير، بل بصدق المشاعر، وتبادل الاحترام والتقدير.

فليس من العدل أن تظلّ تشرح موقفك لمن لا يريد أن يفهمك، وتلتمس الأعذار لمن لا يحترم مكانتك. فبعض الصمت كرامة، وبعض المسافة إنصافٌ للنفس.

يكفي أن تكون صادقاً مع ضميرك، واضحاً في حدودك، وأن تدرك أنّ تفهّم الآخرين لا يعني السماح لهم بالتهاون بحقوقك، أو الانتقاص من كرامتك، وأنّ التسامح لا يُلزمك بإعادة منح المكانة نفسها لمن لم يحفظها.

والمسافة، كما ذكرنا، ليست دائماً فتوراً أو خصومة؛ فقد تكون حديثاً أقلّ، وتوقّعاتٍ أخفّ، وأسراراً أكثر خصوصية، وحضوراً يتناسب مع مقدار الاحترام المتبادل. قد نحبّ أشخاصاً من بعيد، ونحفظ لهم الودّ دون أن نمنحهم مفاتيح حياتنا.

كما إنّ النضج ليس أن نصبح متبلّدي المشاعر أو باردين، بل أن نظلّ  نبلاء، دون أن نكون مستباحين، وأن نسامح دون أن نُكرّر التجارب

المُنهِكة لأنفسنا، وأن نتمنّى الخير للآخرين ،دون أن نجعل رضاهم شرطاً لراحتنا.

فليست المسافة جداراً نبنيه بيننا وبين العالم، بل حداً واعياً يحفظ إنسانيتنا وكرامتنا. دع الناس يكونون كما هم، واختر أنت ما تقبله وما ترفضه، واقترب ممّن يمنحك السكينة، ويُشعرك بأن وجودك موضع تقدير واحترام، وابتعد عمّا يستنزف روحك بهدوءٍ لا يحمل كراهيةً ولا رغبةً بدافع العتاب أو تصفية الحسابات.

فبعض السلام لا يأتي حين يتغيّر الآخرون، بل حين نتوقّف عن انتظار تغيّرهم، ونعيش بقلوبٍ نقية متزنة وحدودٍ واضحة؛ دون أن نفرّط بسلامنا الداخلي.

في نهاية المطاف، تبقى المسافات فناً لا يُتقنه إلا من نضجت روحه، وعرف أنّ راحة البال ليست في أن يتغيّر الناس كما نشتهي، بل في ألّا نفقد أنفسنا ونحن نحاول تغييرهم. 

فليس في وسعنا أن نُغيّر اشخاصاً لم تتّجه إرادتهم إلى تغيير ما بأنفسهم، فالتغيير الحقيقي لا يُفرض من الخارج، بل يبدأ من الداخل.

فلا تُحمّل قلبك عبء إصلاح من لا يرى في نفسه ما يحتاج إلى إصلاح؛ إذ لا نستطيع أن نُغيّر قومًا حتى يُغيّروا ما بأنفسهم، وما لا تُصلحه الكلمات والمصارحة قد تُعلّمه المسافة.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار