قد تكون وجوه الفقراء جميلة... لكن الفقر قبيح
Add as Preferred Source on Googleفي وجوه الفقراء جمال يصعب وصفه، جمال لا تصنعه العناية بالمظهر، ولا تمنحه المرايا، ولا تفسره ملامح الوجه وحدها. قد تلمح في عينين أرهقهما السهر صفاءً غريباً، وفي ابتسامة خرجت من بين شفتين أنهكها التعب شيئاً من الدفء الذي نفتقده في وجوه كثيرة اعتادت الرفاه. وقد ترى في يد خشنة، تشققت من العمل، حكاية عمر كامل من المحاولات التي لم يشهدها أحد.
لكن الفقر قبيح... قبيح حين يجعل الإنسان يحسب ثمن حاجاته الأساسية قبل أن يمد يده إليها، وحين تتحول الرغبات الصغيرة إلى أمنيات مؤجلة، وحين يصبح شراء الدواء قراراً يقتطع من طعام الأسرة، وتغدو فاتورة الكهرباء عبئاً يسرق من رب البيت قدرته على النوم. قبيح حين تضطر أم إلى اختراع الأعذار لطفلها، وحين يتعلم طفل أن يخفي حاجته كي لا يزيد أمه حزناً، وحين يكبر المرء، وهو يشعر أن عليه الاعتذار عن أشياء لم يخترها، وعن ظروف لم يصنعها.
الفقر لا يأخذ من الإنسان المال فقط؛ إنه يزاحم حريته في الاختيار، ويستنزف وقته، ويستهلك أعصابه في تفاصيل تبدو بسيطة لمن يملك وفرة العيش. فالذي يملك ما يكفيه يستطيع أن يفكر في الغد، أما الذي يطارده احتياج اليوم، فقد يقضي عمره كله في النجاة من الساعات المقبلة. كم من موهبة ظلت حبيسة غرفة ضيقة، وكم من عقل كان قادراً على أن يغيّر مسار حياته، لكنه استُنزف في تأمين أبسط ضرورياتها، وكم من إنسان أرجأ حلمه، لا لأنه فقد الشغف، إنما لأنه لم يجد ثمن الطريق إليه؟
وما يزيد الفقر قبحاً تلك النظرة التي تلاحق الفقير، كأن حاجته نقص في شخصه، وكأن ضيق يده ينتقص من قدره. بعض الناس يقيسون البشر بما يرتدون، وبما يملكون، وبالأماكن التي يستطيعون دخولها، فيصبح المال جواز عبور إلى الاحترام، ويضطر من لا يملكه إلى إثبات استحقاقه للمعاملة الكريمة في كل مرة. أي ظلم أشد من أن يحتاج الإنسان إلى المال كي يُعامل بوصفه إنساناً؟
ومع ذلك، علينا أن نحذر من تجميل الفقر باسم الصبر والرضا، أو تحويل المعاناة إلى حكاية ملهمة تريح ضمائر المتفرجين. نعم، في الفقراء كرامة وشجاعة، ومواهب وقلوب واسعة، لكن هذه الصفات لا تجعل الحرمان فضيلة، ولا تمنح البؤس معنى يستحق أن ندافع عن بقائه. الصبر الذي يبديه إنسان في مواجهة الحاجة يستحق التقدير، أما الحاجة نفسها فتستحق أن تتغير أحوالها.
ولست أرى في الفقر عيباً يسكن صاحبه، إنما أرى العيب في عالم يعتاد مشهد الحاجة حتى يصبح مألوفاً، وفي ضمير يمر بجوار التعب من دون أن يتساءل عن أسبابه، وفي يد تمنح قليلاً لتُرى، ثم تنسى أن للكرامة حقاً في طريقة العطاء، مثلما لها حق في ضروراته.
قد تكون وجوه الفقراء جميلة لأن الحياة، رغم قسوتها، لم تنجح في انتزاع النور منها. وقد تكون تلك الوجوه شاهدة على قوة لا نعرف مقدارها، وعلى حكايات من الكفاح لا ترويها الصور. لكن لا ينبغي أن نطلب من الفقير أن يكون جميلاً في احتماله، ولا أن نطالبه بابتسامة تريحنا من رؤية ألمه.
أريد عالماً لا يُضطر فيه إنسان إلى إثبات صبره كي يستحق لقمة، ولا إلى إخفاء فقره كي يحتفظ بكرامته. عالماً يجد فيه الطفل ما يحتاج إليه من تعليم، ويجد المريض دواءه، ويجد العامل في تعبه ما يصون حياته، ويجد الإنسان مساحة يحلم فيها من دون أن تصفعه كلفة الحلم.الجمال الذي نراه في وجوه الفقراء يستحق أن نصونه، لا أن نتغنى به ونترك أصحابه في مواجهة العوز. والفقر، مهما تعلّم الإنسان من الصبر، يبقى حرماناً لا ينبغي أن نورّثه، ووجعاً لا يصير نبيلاً لمجرد أن أصحابه تحملوه بصمت، وأظن أن ذلك هو أصدق اختبار لإنسانيتنا كي لا تنكسر تلك الوجوه تحت وطأة الحياة.
كاتبة بحرينية