الأربعاء 04 نوفمبر 2026
29°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حين نُحاسب الآخرين... ونُبرّئ أنفسنا
play icon
كل الآراء

حين نُحاسب الآخرين... ونُبرّئ أنفسنا

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 03 نوفمبر 2026
فهد الرفاعي


أخطر أنواع الظلم ليس أن يظلمك إنسان يعرف أنه ظالم، بل أن يظلمك وهو مقتنع تماماً أنه صاحب الحق!

تأملوا هذه المفارقة: نغضب ممن يكذب علينا، ثم نسمي كذبنا ضرورة. نرفض أن يُساء فهمنا، لكننا نفسر تصرفات الآخرين بأسوأ الاحتمالات. نطالب بالاحترام حين نُهان، وقد ننساه حين نختلف مع من هم أضعف منا.

فهل المشكلة في غياب المبادئ، أم في أننا نغيّرها كلما تغيّرت مصالحنا؟

في العلاقات الإنسانية، لا يُقاس العدل بما نقوله عنه، بل بقدرتنا على ممارسته عندما يتعارض مع رغباتنا. فليس صعباً أن تكون منصفاً لمن تحب، إنما الامتحان الحقيقي أن تنصف من تختلف معه.

وفي علم النفس الاجتماعي، تفسر ظاهرة "الانحياز لخدمة الذات" جانباً من هذا التناقض؛ إذ نميل أحياناً إلى نسبة نجاحاتنا لقدراتنا، وإخفاقاتنا للظروف، بينما نفسر أخطاء الآخرين بصفاتهم الشخصية، متجاهلين الظروف التي قد تكون وراءها.

وهكذا نصبح قضاة صارمين على الآخرين، ومحامين بارعين عن أنفسنا!

فالزوج الذي يرى صمته حكمة قد يعتبر صمت زوجته تجاهلا. والأب الذي يبرر انفعاله بضغوط الحياة قد يصف انفعال ابنه بقلة الأدب. والمسؤول الذي يعزو حدته إلى مسؤوليات العمل، قد يعاقب موظفاً على التصرف ذاته.

الأفعال متشابهة، لكن الأحكام تختلف باختلاف أصحابها.

وقد جاء القرآن الكريم ليضع الإنسان أمام ميزان لا يعرف المحاباة، فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ".

إنها دعوة إلى شجاعة أخلاقية نادرة؛ أن تعترف بالحق حتى عندما يكون الاعتراف على حساب نفسك أو أقرب الناس إليك.

وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (متفق عليه).

فمن يريد أن تُحترم مشاعره، عليه أن يحترم مشاعر الآخرين. ومن ينتظر الصفح عن أخطائه، عليه ألا يجعل أخطاء غيره أحكاماً مؤبدة. ومن يطلب أن يُسمع صوته، عليه أن يمنح الآخرين الحق نفسه.

لكن لماذا نعجز أحياناً عن الاعتراف بالخطأ؟

لأن الإنسان لا يدافع دائماً عن الحقيقة، بل قد يدافع عن الصورة الجميلة التي رسمها لنفسه. فالاعتذار يبدو لبعض الناس هزيمة، والتراجع عن الرأي ضعفاً، والاعتراف بالتقصير انتقاصًا من المكانة. وهنا تتحول الخلافات البسيطة إلى قطيعة طويلة، ليس لأن المشكلة تستحق، بل لأن الكبرياء أصبح أكبر من العلاقة.

وفي مجتمعنا الكويتي، الذي نعتز بترابطه الأسري، كم من علاقة بين إخوة أفسدتها رواية سُمعت من طرف واحد، وكم من أسرة انقسمت لأن أحد أفرادها أراد الانتصار لرأيه أكثر من رغبته في الإصلاح؟

وحتى في وسائل التواصل الاجتماعي، نشاهد من يطالبون بالرحمة حين يخطئون، ثم يتحولون إلى قضاة قساة عندما يخطئ غيرهم.

إننا نعيش زمناً يكثر فيه الحديث عن الوعي، بينما يظل الإنصاف أحد أصعب اختباراته.

وليس المطلوب أن نبرر الأخطاء، أو نتسامح مع الظلم، بل أن نرفض ازدواجية المعايير، وأن نفرق بين محاسبة الإنسان وإهانته، وبين فهم ظروفه وإعفائه من المسؤولية.ولعل أعظم درس نقدمه لأبنائنا ليس أن نخبرهم بأننا على صواب دائماً، بل أن يرونا نعترف حين نخطئ؛ فالطفل الذي يسمع والده يقول "أعتذر" يتعلم أن الكرامة لا تتناقض مع التواضع.

وفي النهاية، لا تُقاس أخلاق الإنسان بعدد الأخطاء التي اكتشفها في الآخرين، بل بقدرته على رؤية أخطائه بالشجاعة نفسها.

فأخطر من يرتكب الخطأ، من يمنح نفسه ألف عذر، ولا يمنح الآخرين عذرًا واحدًا.

وقبل أن ترفع ميزان العدالة في وجه أحد، اسأل نفسك: هل تملك الشجاعة لتقف على الكفة الأخرى منه؟.

كاتب في الشأن الأسري والنفسي

آخر الأخبار