الأربعاء 04 نوفمبر 2026
28°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الكويت والاستدامة... شراكات تصنع مستقبل التنمية
play icon
كل الآراء

الكويت والاستدامة... شراكات تصنع مستقبل التنمية

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 03 نوفمبر 2026
د.ناصر حسين عباس


لم تعد الاستدامة قضية بيئية منفصلة عن مسار التنمية، بل أصبحت معياراً للحكم على كفاءة السياسات العامة، وقدرة المجتمعات على حماية مواردها، وتحسين جودة حياة أجيالها.

وتواجه الكويت تحديات تتطلب الانتقال من إعلان الالتزامات والمبادرات إلى تنفيذ برامج قابلة للقياس، في مقدمتها ندرة المياه، وارتفاع الطلب على الطاقة، وتزايد النفايات، وآثار التغير المناخي والتوسع العمراني.

وتكشف المؤشرات البيئية عن حجم المسؤولية. إذ وفق تقرير حالة البيئة في الكويت لعام 2024، يستحوذ القطاع السكني على نحو 45 في المئة من استهلاك الكهرباء و66 في المئة من استهلاك المياه المحلاة، فيما يبلغ متوسط استهلاك الفرد من المياه البلدية قرابة 447 لتراً يومياً. وتزداد أهمية هذه الأرقام عند النظر إلى محدودية الموارد الطبيعية؛ إذ يقدر متوسط الهطول المطري بنحو 110 مليمترات سنوياً، مقابل معدلات تبخر تتجاوز 3000 مليمتر. وهي مؤشرات تدعو إلى مراجعة أنماط الاستهلاك، ورفع كفاءة المباني وشبكات المياه، وتعزيز الوعي المجتمعي.

وتقدم مؤشرات أهداف التنمية المستدامة صورة عن التحدي. فبيانات الأمم المتحدة تشير إلى أن نسبة سحب المياه العذبة إلى الموارد المتاحة في الكويت بلغت 3850.5 في المئة عام 2023، بينما لم تتجاوز حصة الطاقة المتجددة من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة نحو 0.1 في المئة عام 2022.

ولا ينبغي قراءة هذه القيم بمعزل عن سنواتها المرجعية، أو تعريفات المؤشرات، لكنها تؤكد الحاجة إلى تسريع تنويع مصادر الطاقة، وتحسين إدارة الطلب على المياه، وتطوير حلول مستدامة.

في هذا المسار، تتيح التكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي فرصاً تتجاوز الاستخدام الدعائي. فمن الممكن توظيف أنظمة التحليل الذكي لمراقبة استهلاك الكهرباء في المباني، والتنبؤ بالأحمال، واكتشاف تسربات المياه، وتحسين كفاءة الري، ورصد جودة الهواء، وفرز النفايات، وتحليل البيانات المناخية. غير أن وصف التقنية بأنها خضراء لا يتحقق لمجرد اعتمادها؛ فالذكاء الاصطناعي نفسه يحتاج إلى مراكز بيانات تستهلك الكهرباء والمياه، ولذلك ينبغي تقييم الحلول وفق صافي أثرها البيئي، وكفاءتها، وتكلفتها، وإمكان تعميمها.

وتكتسب المبادرات التي تجمع التكنولوجيا بالمسؤولية المجتمعية أهمية عندما تتحول إلى مشروعات ذات أهداف معلنة ونتائج قابلة للتحقق. ومن هذا المنطلق، يمكن للمبادرة العربية للتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي، ولجمعية استدامة للمسؤولية المجتمعية، أن تسهما في نشر المعرفة، وبناء الشراكات، وتشجيع الحلول التطبيقية، شريطة وضوح نطاق العمل، وتحديد الشركاء، وإعلان مؤشرات الأداء والنتائج، وعدم الاكتفاء بعدد الفعاليات أو الاتفاقيات الموقعة.

ولا يمكن تحقيق تحول مستدام بجهد جهة واحدة. فالحكومة تضع السياسات والمعايير، وتوفر البيانات، والقطاع الخاص يستثمر في الابتكار والحلول النظيفة، والجامعات ومراكز البحث تطور المعرفة وتقيس الأثر، فيما تسهم مؤسسات المجتمع المدني في التوعية والرقابة المجتمعية. ويظل التعليم شريكاً محورياً؛ إذ ينبغي أن تتجاوز التربية البيئية المعلومات النظرية إلى ممارسات داخل المدرسة، مثل ترشيد الماء والطاقة، وتقليل النفايات، وإعادة التدوير، وتنفيذ مشروعات طلابية تعالج مشكلات محلية. كما يتطلب ذلك إعداد المعلمين، وتحديث الأنشطة والمناهج، وتحويل المدارس إلى نماذج تطبيقية للاستدامة.

ولكي تنتقل الشراكات من مستوى النوايا إلى النتائج، يمكن العمل على ستة مسارات مترابطة: وضع إطار وطني يحدد أولويات الشراكة ومسؤوليات أطرافها؛ إطلاق برنامج للمدارس الخضراء الذكية؛ دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة العاملة في الاقتصاد الأخضر؛ توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المياه والطاقة والنفايات؛ إتاحة قاعدة بيانات بيئية محدثة ومفتوحة؛ وإصدار تقارير تقيس الأثر، بما يشمل خفض الاستهلاك والانبعاثات والنفايات، لا مجرد رصد الأنشطة.

إن الاستدامة ليست شعاراً احتفالياً، ولا مسؤولية المؤسسات الحكومية وحدها؛ إنها طريقة في التخطيط والإنتاج والاستهلاك والتعليم.

 وتستطيع الكويت تعزيز موقعها في مسار التنمية المستدامة حين تربط المبادرات بأهداف محددة، وتمول الحلول القابلة للتوسع، وتنشر البيانات، وتراجع النتائج بشفافية. فالمطلوب ليس زيادة عدد المبادرات، بل تحسين أثرها، حتى تصبح الاستدامة معياراً في القرار، ومؤشراً في الأداء، وثقافة في المدرسة، وممارسة يومية في المجتمع.

كاتب كويتي

آخر الأخبار