الحقوا بيروت قبل أن تُذبح كسلحفاة جزيرة بالي
Add as Preferred Source on Googleنشر هذا الحديث في عدد الهدف، رقم 1714 الصادر يوم السبت 23 / 6 /2001، أي منذ 25 عاما، ومنذ ربع قرن إلى اليوم لم تتغير بيروت، العاصمة اللبنانية، التي كانت يوما "سويسرا الشرق".ولا يزال لبنان يحكم من ثالوث رئاسي رغم تبدل الوجوه، لكن إلى اليوم الثابت الوحيد، أن لبنان، وبيروت، لا يزالان يعيشان المعاناة، وكأن لعنة أصابت هذا البلد.
التفاصيل منذ ذلك الوقت لا تزال كما هي، والثابت الوحيد أن بعد ربع قرن هناك رئيس جمهورية جديد، وكذلك رئيس مجلس وزراء، بينما نبيه بري لا يزال في منصبه، فإلى ما رأيته قبل 25 عاما في بيروت:
بيروت مدينة شوهت وجهها حروب أبنائها. دخل الغرباء اليها، وهم جاؤوا اليها من كل فج عميق. رحبت بيروت بهم كما عاداتها المضيافة وقالت لهم "أهلا وسهلا... ابتسموا أنتم في لبنان".
وطبعا ابتسم الغرباء وعاشوا في بيروت. بعضهم شكر النعمة وظل مبتسماً، وبعضهم جحدها، فبدأ يعيث في هذه المدينة الجميلة فساداً وتشويها، ودفعها إلى متاهات ما كانت تريد الدخول فيها، أو أنها دخلت استسهالا للعبة الخطرة التي يبدو أنها أحبتها فيما بعد، ودَفَعت الثمن غالياً لهذا الحب المحرم.
كل حجر اليوم في بيروت تشعر أنه متوتر، ذلك أن هذه المدينة متوترة بكل ما فيها. أما البشر فأكثر توترا من مدينتهم، وكل واحد فيهم يحلم ويأمل، فلم تتحقق لا الأحلام ولا الآمال.
في دكاكين بيروت الحلوة يسألك الناس عندما يلاحظون أن فيك بعض الفهم، عن الحالة الاقتصادية، وعن المستقبل، وماذا يخبئه لهم، وماذا سيحدث، وتراهم مسبقاً يعزون أنفسهم بإبداء الثقة في هذا المستقبل، ويقولون لك إنه سيكون واعداً، وإن بيروت ستظل جميلة، وأهلها سيظلون أكثر جمالا.
وهنا تذكرت تلك الحلوة التي قالت: لقد طلقني زوجي بسبب التوتر السائد هنا. تركني، وأنا الجميلة، بل وجميلة الجميلات، إذا لم اكن مغرورة، وجدت نفسي خارج منزلي أسبوعاً أنام في السيارة، فليس لدي منزل، ولا أموال وجيوبي شبه خاوية، زينت لي ذئاب كثيرة أن أبيع المتعة لراغبيها من الذين يحبون بيروت، ويبتسمون فيها، مع أن أهلها هنا متوترون وعابسون.
رفضت عروض هذه الذئاب، إلا انهم قالوا لي: الدفع مقدم وسيكون بالدولار، ويا مين سعد وأسعد غيره. ورفضت العرض، وآثرت العيش في سيارتي الصغيرة، أنام الليل فيها، وفي النهار أسرح بها مع ما تبقى معي من ليرات، وليست دولارات.
بعض أصدقائي من غير الذئاب عطفوا عليَّ لأنهم عاشوا قبلي الازمة نفسها. فيهم نساء جميلات عشن ايضا المحنة نفسها، وقد عالجوها بطريقتهن الخاصة، ولا رأي لي في ما حدث لهن، وماذا صنعوا في حياتهن. كانت نفسي عزيزة عليَّ، وانا أرى ما يحدث في بلدي في هذا الزمن المر. لعلها إرادة صانع هذا الكون ومدبره.
فيما الجميلة تحكي قصتها، تذكرت فيلماً وثائقياً شاهدته على التلفزيون عن جزيرة بالي الإندونيسية، هناك في تلك الجزيرة تقدم السلحفاة قربانا في المعابد. وفي الجزيرة هناك ايضا مطعم يقدم لحم السلحفاة كوجبة فاخرة غالية الثمن. يأتون بالسلحفاة ويقلبونها على ظهرها، ويبقرون بطنها بالسكين وهي حية. تتألم السلحفاة وتعبر عن ألمها بشكل يصعب على المرء مشاهدته.
وتستمر السكين الحادة في بقر بطنها إلى أن تستخرج أحشاءها ولحمها، وتنقل إلى الاعداد والطبخ. ويقال إن هناك من يأكل لحم السلحفاة نيئا. المهم أن بيروت تألمت وهي تذبح حية مثل هذه السلحفاة، وتحاول أن تفعل شيئا لكن لا شيء بمقدورها. وقبل أن تلفظ السلحفاة روحها ترسل عينيها دمعة مالحة، أليست هي ابنة البحر، والبحر مالح؟
تموت المسكينة، ويأكل طلاب المتعة لحمها نيئا ومطبوخاً وفق جرأتهم على تناول الطعام... تذكرت سلحفاة بالي وانا اسمع قصة تلك الفتاة البريئة، التي نامت اياما في سيارتها بعيداً عمن يريدون ذبحها وهي حية، وبعد ذلك ترسل دمعة ساخنة من عيون كحيلة كعيون مها عربية.
بيروت، كما قلت متوترة، والناس فيها يوم يحجون إلى الرئيس لحود، ويوم يحجون إلى الرئيس الحريري، ويوم يحجون إلى الرئيس بري، ولا يعرفون من بيده الخلاص، أو انه بيد الرؤساء الثلاثة.
كل رئيس يؤملهم، ويعدهم بالمن والسلوى. الرئيس لحود منه وسلواه سياسي يغلفه بحديث محتشم عما يريده اللبنانيون. والرئيس بري ليس عنده غير تشريع القوانين، ويرمي كرة المشكلات في ملاعب الآخرين. الرئيس الحريري واقع بين لاعبين وحكم استعين به من خارج الحدود، وفي قلبه غصة، خصوصا أن بيروت تريد منه الكثير. تريد ايقاف ذبح السلحفاة وهي حية، وان يتذكر أن اختلاف الرأي في لبنان عندما احتدم واستشرى تسبب في اندلاع حرب أهلية، دامت اكثر من 15 عاما.
نعود إلى القول: إن لبنان متوتر حتى اصغر حجر، والجسد اللبناني يريد أن يهدأ، وبحاجة إلى أن يتخلص من شوائب كثيرة، لكن يبقى الجمال في لبنان الذي يعرف كيف يبرز مكانته.
اللبنانيون يعرفون كيف يتعاملون مع الجمال، وليالي لبنان مزدهرة، والناس مع الليل الطويل يحاولون نسيان همومهم. يتعارفون مع بعض في اندية التواجد الليلي، نتسلى معهم وننسى الهموم، وفي اليوم التالي نصحو ونتذكر بقر السلحفاة وهي حية، ونتذكر دمعة السلحفاة المالحة ذات الطعم البحري.
لكل واحد من الثالوث الرئاسي اللبناني مشجع ومؤيد، لكن الجميع يلتقون عند نقطة واحدة هي السؤال: متى يعود إلى لبنان ازدهاره؟
وصلت مطار بيروت وانا بالملابس العربية، بكل تفاصيلها، وعندما خرجت بعد انهاء الاجراءات التي كانت كلها سهلة، كانت هناك العشرات امام بوابة الخروج يستقبلون احباءهم العائدين إلى لبنان لقضاء الاجازة... العشرات واقفون في الانتظار، وكلهم أنيقون، وكنت اسمع همسهم يقول: هلوا اهل الخليج... هلوا العربان. وكانت نظراتهم تتركز حولي، وربما ظنوا أنني من السائحين.
رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، المتعب جدا، والطموح جدا، والذي يريد أن ينجح جدا جدا، هل ستسعفه الظروف والايام، خصوصا أن الجميع لا يريدون رؤية مثل تلك الفتاة الحلوة تنام خمسة ايام داخل سيارتها لأنها لا تملك السكن "وما معها مصاري" تعيش منها، ولا تريد أن تفرط في نفسها، فهي ايضا لا يعجبها كل من يدفع، وليس كل من عنده عملة عليها صورة ابراهام لنكولن مريح لنفسها ولجسدها.
ما يحتاجه لبنان هذه الايام هو أن يشعر به ابناؤه قبل أن يثق به الآخرون، وعلى الرئيس الحريري أن يزرع الثقة بلبنان داخل قلوب ابنائه قبل قلوب غيرهم حتى ينجح جدا.