هندسة الوعي القاتل... حين يغدو الزمن سلاحاً
Add as Preferred Source on Googleفي الحالة اليمنية، لم تكن السنوات العشر الماضية مجرد مهلة سياسية أملتها ظروف الميدان، وتقلبات الديبلوماسية، بل كانت المادة الخام التي اشتغلت عليها جماعة الحوثي بأعلى درجات النفس الطويل، والهندسة العقائدية.
في الوقت الذي كان فيه التحالف العربي والسلطة الشرعية يتعاملان مع الملف باعتباره أزمة يمكن إدارتها عبر الهدن المفتوحة والتصعيد الموضعي، كان الحوثيون يتعاملون مع كل يوم يمر باعتباره فرصة تاريخية لا تُعوّض، ليس لتثبيت أركان السلطة السياسية فقط، بل لإعادة صياغة الإنسان اليمني، ومسح ذاكرته الوطنية من الجذور.
لم يكن تجريف المناهج الدراسية، وتعديلها خطوة إدارية عابرة أو مجرد رغبة في إضافة مفاهيم مذهبية إلى المقرر التعليمي، بل كان قراراً ستراتيجياً بأسلوب الهندسة الاجتماعية: تحويل الفصل الدراسي ثكنة، والكتاب المدرسي بندقية.
أُفرغت المؤسسة التعليمية من روحها الجامعة، وحُلّت محلها أدبيات التجييش المفتوح، وتكريس المظلومية التاريخية، وتقديس السلاح باعتباره خيار الوجود الوحيد. وما أُسّس له في المدارس اكتملت أركانه في المخيمات الصيفية، والمناسبات الدورية الممتدة على مدار العام؛ هناك حيث يجري اقتطاع الصبية والأطفال من سياقهم الأسري والحضري، وإخضاعهم لجرعات مكثفة عقائدياً، والتدريب القتالي، ليتحولوا خلال عقد واحد من مشروعات مستقبل إلى خزان بشري مؤدلج، جاهز للاندفاع نحو الجبهات بدوافع لا تقبل المساومة، ولا تلين أمام تغيرات السياسة.
وفي الوقت الذي كان فيه الخطر الوجودي يترسخ في صنعاء، انحرفت البوصلة الستراتيجية نحو حروب صغيرة وصراعات بينية؛ إذ انشغلت منظومة القرار بمطاردة القوى الحية على الأرض، وتحديداً القوة الجنوبية والمجلس الانتقالي، لتدخل الشرعية في متوالية استنزاف الذات. بل إن العبث بلغ ذروته حين تُترك الجماعة تبني دولتها وجيشها العقائدي في أمان تام، بينما تحركت الطائرات وحُشدت الجبهات لخوض معارك جانبية ضد شريك الميدان الأصلي، في مشهد سريالي يصعب تفسيره بغير العجز الستراتيجي: حليفٌ يضرب حليفه، وقوةٌ تستهلك مقدراتها في معارك السيطرة النفوذية، فيما العدو الحقيقي يسترق النظر، ويستغل كل هذا الشلل المتبادل ليتجذر عميقاً في الجغرافيا والنفوس.
الخطأ الشنيع المرتكب لا يكمن فقط في تأخير المعركة الحاسمة مع الجماعة، بل في إعادة ترتيب الأولويات بصورة مقلوبة؛إذ غدت استعادة صنعاء وتفكيك المشروع العقائدي في أقصى هامش الاهتمام، بينما احتلت معارك التضييق على الجنوب الصدارة. كان الرهان العجيب يقوم على أن الوقت كفيل بإضعاف الحوثي وإنهاكه، بينما أثبتت التجربة أن الجماعات العقائدية تنمو، وتترعرع تماماً في المساحات المتروكة، وفي أوقات الفراغ الستراتيجي.
لقد منح هذا الانشغال الجانبي الحوثيين الكنز الأكبر: الزمن الكافي لإعداد جيل كامل لم يعرف في حياته سوى ثقافة القتال وشعارات المظلومية، بحيث غدت الحرب بالنسبة له هي الحالة الطبيعية والوحيدة للوجود.
إن صمت الجبهات مع الحوثي، وتوجيه السلاح نحو الشريك الجنوبي، لم ينتج سوى واقع غاية في التعقيد، تبرز فيه مفارقة صارخة، ففي الوقت الذي خاضت فيه القوات الجنوبية، وفي صدارتها "ألوية العمالقة الجنوبية"، أنصع المعارك الميدانية وأثبتت أنها القوة الصالبة الوحيدة القادرة على كسر الاندفاعة الحوثية، وتحقيق الانتصارات الستراتيجية الحتمية، كتحرير شبوة، وتأمين المداخل والمحاور الحاكمة، وتحصين خطوط التماس، كانت منظومة القرار تتعامل مع هذه الانجازات بنوع من التوجس، وتعمل على تحييد نتائجها بدلاً من اتخاذها رأس حربة وركيزة للحسم.
لقد أثبت الميدان أن السد المنيع الوحيد الذي حال دون تمدد المشروع العقائدي، وإسقاط ما تبقى من الخريطة هو صلابة القوة الجنوبية وإرادتها القتالية، إلا أن استمرار محاولات استنزافها وتشتيت جهودها أتاح للحوثي استكمال بناء مجتمعه الموازي وجيشه العقائدي.
والنتيجة اليوم هي معادلة بائسة: جماعةٌ استغلت الوقت لتجريف الهوية وتنشئة جيل القتال، وشرعيةٌ أضاعت بوصلتها وحلفاءها الصادقين، وقواتٌ جنوبية تفرض التوازن الميداني، وتحقق المكاسب وسط بيئة سياسية مكبلة، وجيلٌ يمني جديد وُضع بالكامل على خطوط النار.
غير أن التاريخ يُعلّمنا أن المشاريع القائمة على مصادرة العقول مهما تجذرت تظل هشة أمام منطق الحياة، وإرادة الشعوب الحية؛ وفي ثبات القوى الصادقة ونواة الصمود ما يبعث على اليقين بقدرة هذا الوعي على كسر الطوق المظلم، وإعادة تصحيح المسار لصياغة غدٍ ينتصر للإنسان وحريته.
كاتب يمني