يوسف عبدالكريم الزنكوي هذه المقالة وبنفس عنوانها الحالي نشرت قبل قرابة الخمس سنوات، وتحديداً في 3 يناير من العام 2014، ولم تتخذ الحكومة نفسها أي إجراء إيجابي تجاه سفلتة الطرق بطريقة صحيحة حتى يومنا هذا. عندما تتمتع بالتجول في ضواحي بروكلين ومانهاتن وبرونكس من مدينة نيويورك العظيمة، التي تعتبر المدينة الأكبر في ولاية نيويورك، والأعلى في الكثافة السكانية في الولايات المتحدة الأميركية بأسرها، والأكثر تأثيراً في الاقتصاد بجميع قطاعاته، والأكثر تبحرا في العلوم بمختلف فروعها، والأكثر خبرة في الترفيه والفن بتشعباتهما، وعندما تُبهر بما تشاهده من مواقع سياحية، مثل تمثال الحرية، وجسر بروكلين، وبرجي مركز التجارة العالمي (قبل انهيارهما) وبرج إمباير ستيت، وشارع برودواي، ومبنى الأمم المتحدة، وحديقة "سنترال بارك"، كإحدى أكبر الحدائق العامة في العالم، وغيرها من معالم هذه المدينة الصاخبة، ثم يشاء الله للأقدار والظروف أن تعود في المساء إلى الفندق لتجرك الصدف البحتة بفتح جهاز التلفزيون لمشاهدة فيلم "أكشن" مثير ومشوق كفيلم "الهروب من نيويورك" أو (Escape From New York)، حينها ولتواجدك في هذه المدينة تشعر وكأنك أحد أبطال هذا الفيلم الممتع، وتشعر برغبة جامحة للخروج من غرفتك الفندقية من أجل التأكد من صحة ما يجري خارجها، ثم تعود لتفتح ستارة الغرفة، واستراق النظر إلى شوارع هذه المدينة التي بدأت العيش فيها منذ أيام قليلة فقط، وإذا بالهدوء يعم المكان وأن كل شيء على ما يرام. ثم تعود إلى متابعة الفيلم وكأنك تريد أن تخترق شاشة التلفزيون للمشاركة في أحداث هذا الفيلم، طالما تواجدت في المدينة التي يصورها المخرج وكأنها امتلأت بالعصابات والمجرمين والقتلة واللصوص وعم الفساد في كل أرجائها. وبين الفينة والأخرى تدور الكاميرا في أرجاء المدينة لتصور المدينة وكأنها صارت مجرد مدينة أشباح خربة تملأ طرقاتها الأوحال والأتربة وحطام الأبنية والسيارات. فتمثال الحرية محطم، ومركز التجارة العالمي والإمباير ستيت في حالة انهيار، بينما جسور مانهاتن مدمرة ومحاطة بالألغام، وكأن حربا عالمية ثالثة قد اندلعت. فيلم "الهروب من نيويورك" الذي أنتج في صيف سنة 1981، وقام بدور البطولة فيه كل من كيرت راسل ولي فان كليف، يحكي قصة مدينة نيويورك التي يصورها المخرج وكأن نسبة الجرائم في جزيرة مانهاتن وحدها قد ازدادت إلى أكثر 400 بالمئة خلال فترة السبعينات والثمانينات. فيتم إخلاء هذه الجزيرة وعزلها عن بقية أجزاء المدينة، لتتحول إلى سجن عملاق حيث يقضي فيه المساجين أحكاما بالسجن مدى الحياة، بينما يحيط بهذا السجن جدار ضخم محصن بحراسة مشددة.
لا أدري ما الذي دفعني لتذكر فصول هذا الفيلم وأنا أقطع شارع الفحيحيل جيئة وذهابا كل يوم، متجنبا سائقين مستهترين تارة، ومتجنبا التعرض للحصى المتطاير على السيارات تارة أخرى، وأحيانا غاطساً وغارقاً قسراً في الغبار الذي يملأ المكان، وكأننا على أحد الطرقات الترابية في مدينة مقديشو الصومالية، وبقايا أوراق الصحف وقصاصات الأوراق المتطايرة والعلب الفارغة التي تدفعها الرياح نحو سيارتك فتصدم سيارتك كما الرصاص، فتحاول جاهدا أن تتفادى كل هذه المعوقات كما تتفادى حقول الألغام والمنحنيات الخطرة. حينها أحسست وكأنني أرى الكويت أحد الاستديوهات التي تم فيها تصوير فيلم "الهروب من نيويورك"، أو كأن الكويت نفسها صورة حية من واقع هذا الفيلم، أو فصل من فصوله، أو كأنها جزء من مدينة نيويورك التي صورها المخرج وقد أصابها الوهن والضعف والفوضى العارمة في كل أنحائها. فلا مشاريع بنية تحتية جديدة تطرح، ولا متابعة سليمة لمشاريع بنية تحتية قائمة تنفذ، رغم الطرقات المحطمة من الغش والاحتيال في الإسفلت، ورغم الأوساخ التي تغطي كل شوارعنا المملوءة بعمال النظافة الذين يتفننون بالادعاء بأنهم يقومون بالتنظيف وما هم بمنظفين، لأنهم احتلوا في الواقع وعن عمد مواقع ستراتيجية على التقاطعات والمناطق السكنية لممارسة أعمال التسول من المارة. ولا فائدة من بث الشكوى المذلة لأي مسؤول بسبب استشراء الفساد في أروقة الوزارات ومؤسسات القطاع العام والخاص على حد سواء. أذكر أننا في سبعينات وثمانينات القرن الماضي عندما كان يتحدث شخص ما سواء كان مسؤولا كبيرا أو مواطنا عاديا عن تلمسه الشخصي للفساد في إدارة واحدة من الإدارات الحكومية، قفز نفر من الناس في وجهه محاولين إسكاته ومطالبينه بتقديم الدليل الدامغ على ادعاءاته قبل اتهام "الأبرياء". اليوم يحدث العكس، فإذا ادعى شخص ما أن المؤسسات الحكومية تكاد تخلو من الفساد الإداري أو المالي، أو أن نسبة الفساد منخفضة في أي إدارة من الإدارات الحكومية، قفز أغلب الناس في وجهه محاولين إسكاته ومتهمينه بالجنون، أو أنه غير واع لما يهذي به، أو أنه لا يعرف ما يحدث حوله من كم هائل من الفساد، أو أنه عميل حكومي، وهذا أضعف الإيمان، و"يحمد ربه إنه ما حصل له ضرب". وإذا كان صاحب السمو الأمير حفظه الله ورعاه نفسه قال مرة عندما كان رئيسا للحكومة بأن "الفساد في البلدية ما تشيله بعارين"، والبلدية إدارة واحدة بين عشرات الإدارات الحكومية، فكم هو حجم الفساد الذي تعانيه كل الإدارات الحكومية وكل مؤسسات القطاع الخاص؟ وإذا كان صاحب السمو الأمير قد أطلق مقولته هذه قبل تسع سنوات من دون أن يبادر أحد من المسؤولين الحكوميين بشكل جدي على تخليصنا من هذا الفساد المستشري في الجسد الكويتي، أفلا تذكرنا هذه التفاصيل بفيلم "الهروب من نيويورك"، وكأننا ننافس مشاهد الفيلم بالفوضى والفساد؟ وهل يعقل أن نرى في المستقبل القريب فيلماً كويتياً مماثلاً يحكي قصة "الهروب من الكويت"؟. وللحديث بقية.اعلامي كويتي