إعداد – أحمد القعب:كان للصحابة والسلف الصالح -رضي الله عنهم- السبق في الاحتفاء والتبرك بشهر رمضان المعظم، تمكن بعضهم من ختم القرآن يومياً، ومنهم من زاد عن ذلك، فكان يختم الذكر الحكيم أكثر من مرة، ومنهم من تفرغ في أغلب يومه للعبادة والتقرب إلى الله، وتحفل مرويات السلف الصالح بالكثير من مظاهر اجتهاد الصحابة –رضي الله عنهم أجمعين- وتسابقهم في الفوز ببركات هذا الشهر الكريم، التي نستعرض نفحات منها في هذه الحلقات، لنعيش مع يومياتهم في رمضان؛ لعل بعضنا يتذكر أو يتأسى.أبو الدرداء الأنصاري - رضي الله عنه - حكيم الأمة وشيخ المقرئين، كان دائم التلاوة بصوته الجميل في نهار رمضان فاجتمع حوله الكثيرون، طلبا لسماع الآيات أو تعلم التلاوة او لحفظ النصوص، كما دأب على تصدر مجالس العلم قبل الإفطار، فإذا حان وقت المغرب، عجل إفطاره ولو بتمرة، اما في ليل رمضان، فلم يكن يفارق التلاوة الا حين السحور، حتى أنه كان يختم القرآن عدة مرات، ويتنافس مع الصحابة في ذلك.
اسلم ابو الدرداء في رمضان تزامنا مع غزوة بدر، ويقال انه كان آخر الأنصار إسلامًا، وفرح النبي بإسلامه حتى انه قال: وعدني ربي بأبي الدرداء ان يسلم " وصح اسلامه ونال من النبي شهادة لم ينلها احد غيره اذ وصفه - صلى الله عليه وسلم – بأنه حكيم الامة، وعندما استبسل في الدفاع عن النبي في غزوة احد دعا له وامتدح شجاعته، واجتهد – ابو الدرداء - في اداء الفروض وإظهار الطاعات والمسارعة في الجهاد، وزاد على ذلك انه كان احد حفظة القران، ويروي البخاري انه عندما مات النبي كان -رضي الله عنه- احد اربعة فقط من الصحابة يجمعون القرآن، حتى صار مقرئا ومعلما له وقاضيا بأحكامه بين أهل دمشق في زمن عثمان. تشير كتب السيرة الى انه كان قريبًا من النبي - صلى الله عليه وسلم – رغم تأخر اسلامه، حتي انه كان يخصه بالوصايا، ففي صحيح مسلم ان أبا الدرداء قال: "أوصاني حبيبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث لن أدعهن ما عشت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر". اخلص للدين وتفرغ لنقل العلم للمسلمين وبخاصة في الامصار الجديدة، وعندما تبين له صعوبة الجمع بين التفقه في الدين وممارسة التجارة التي كان يتكسب منها، اختار الدين وترك التجارة، فلم تكن له حاجة في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار، حتى جاء ذلك على حساب اهل بيته، فيروى ان سلمان الفارسي الذي آخى النبي بينه وبين ابي الدرداء جاء يزوره يوما، فلم يعجبه حال زوجته فسألها: ما شأنك يا أم الدرداء؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار، وليس له حاجة في شيء من الدنيا، تعني انه عازف عن حياته الزوجية، فلما حضر أبو الدرداء رحب به وقرب إليه طعاما، فطلب منه سلمان ان يشاركه الطعام فقال له ابو الدرداء: إني صائم، فأبى ان يأكل حتى يأكل معه، ثم بات عنده، فلما كان من الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم فمنعه سلمان، وقال له: إن لجسدك عليك حقا ولربك حقا، ولأهلك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فلما اخبر النبي في اليوم التالي اقره على ذلك. اوفده الخليفة عمر الى الشام ليعلم اهلها، فأدى المهمة على خير وجه، وكان قدوة حسنة للمسلم القويم فاسلم على يديه الكثيرون، ولم يكن يغادر المسجد في نهار رمضان، يصلي الفروض والنوافل، يتلو الكتاب، يدرس الفقه، يعلم الاخلاق، يروي الأحاديث النبوية، دون ان يمنعه ذلك من قضاء حوائج الناس والفصل فيما شجر بينهم، وتؤثر عنه الكثير من الحكم التي حفلت بها كتب السيرة، والتي دونها عنه تلاميذه من بينها: "من كثر كلامه كثر كذبه، ومن كثر حلفه كثر اثمه"، ومن كثرت خصومته لم يسلم دينه، وكان يوصي تلاميذه دائما بأن يعبدوا الله كأنهم يرونه، وان يعدوا أنفسهم من الموتى، ويحثهم على الرضا والزهد بما لدى الغير قائلا: اعلموا أن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم.