كتب - جمال بخيت: تفتح رواية "أجراس القبار" لمجدي دعيبس المجال لمجموعة من الأسئلة التي تتعلق بالتاريخ والخيال، مثلًا: أين ينتهي التاريخ ويبدأ الخيال؟ هل البداية والنّهاية ما حدث فعلًا وما كان بينهما من إبداع الكاتب؟ هل الرواية التاريخيّة -كما هو شائع- تأتي لقول ما لم يُقل في المراجع؟ هل الشخصيات والأحداث ومسار الحكاية هي تمامًا كالمدوّن في الكتب؟ هل الرواية التاريخيّة مجرد حوار ينقل الحدث من السرد التاريخي إلى السرد الروائي؟ أسئلة كثيرة تطرحها الرواية الصادرة عن "الآن ناشرون موزّعون" هذا العام في مئة وثمانين صفحة من القطع المتوسط. في "أجراس القبّار" يتداخل التاريخي بالمتخيّل بشكل متشابك لخدمة البناء الفني للرواية، فالتاريخ أحد روافد هذا البناء، وهو المادة الخام التي يستخدمها الروائي لإنتاج العمل النهائي الذي لا يتقاطع بالضرورة مع الحدث الحقيقي أو المروي، وربما يقترب منه أحيانًا يبتعد اخرى عنه بشكل مباغت، وأحيانًا يختلط التاريخي بالمُتخيّل لصياغة الحدث الروائي. تتحدث أجراس القبار عن القرون الثلاثة الميلادية الأولى ومعاداة الدولة الرومانية للمسيحية باعتبارها نظام حياة جديد سيقوّض النظام السائد، القسوة والاضطهاد يؤكدان على أن لا وجود لأي مسوّغ يبرر تخلّي الإنسان عن إنسانيته، تنقل الرواية الأجواء التي سادت في الإمبراطورية وتعرض وجهات نظر متعددة؛ وثنية ومسيحية. ورغم هيمنة الجغرافية العمّانية على الرواية إلا أن أحداثها امتدت في إحدى المراحل لتبلغ أنطاكية؛ وذلك من أجل خدمة الرؤية العامة للعمل والإشارة إلى امتداد المعاناة وشمولها جميع ولايات الإمبراطورية الرومانية. ومن المشاهد الحية التي تصف فيلادلفيا ذلك الزمان: "أمواج بشرية في المدينة تموج وتلوج. تنشأ في القاع وتبدأ بالارتفاع شيئًا فشيئًا، تصعد الجبل المقابل للمدرج حتى تصل إلى المعبد. هناك على القمة التي اتسعت وانبسطت اجتمع خلق كثير من أهل المدينة. الجنود تموضعوا في أماكن منتقاة على الطريق لحفظ النظام. الشمس أيضًا اتخذت موقعها في السماء وأخذت تلفح الوجوه وتعرّق الأجساد غير مبالية بالأطفال أو كبار السن". ويصف دعيبس مواسم الفرح والأعياد فيها: "عيد هرقل مناسبة خاصة للمدينة إذ إنها تميّزت عن غيرها من مدن المنطقة بمعبد لإله الربح والكسب. موكب الحاكم ابتدأ من المدرّج. الجنود ساروا أمامه وخلفه لمنع العامة من التقرّب منه أو الوصول إليه. الحاكم ومن معه من الضباط والأعوان ارتقوا الدّرج الذي يصل المدينة السفلى بالعليا. سبيروس ويوليانوس لم يشعرا بالتعب على خلاف الحاكم الذي اشتدّ احمرار وجهه وتتابعت أنفاسه بتسارع مضطّرد وبدا كأنه سيسقط على وجهه في اللحظة التالية".