الأربعاء 26 أغسطس 2026
33°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

أوروبا... الأوقات الصعبة وثمن الحرية

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 19 سبتمبر 2022
السياسة
د.سالم الكتبي

تكاثرت في الآونة الأخيرة تحذيرات القادة الأوروبيين ودعواتهم مواطنيهم الى ضرورة الاستعداد لتحمل أوقات صعبة مقبلة، فقد قال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، اخيرا، إن الأوقات الأصعب مقبلة، ومعاناة الأسر الفرنسية جراء التضخم الناجم عن اضطرابات سلاسل الإنتاج وارتفاع أسعار الطاقة، ومعدلات الفائدة، من دون أي بوادر تحسن تلوح في الأفق، ليس سوى قليل من كثير مقبل.
وقال ماكرون إن ما نمر به هو تحول كبير يمثل نهاية عصر الوفرة، سواء كانت نقدية أو منتجات تقنية أو مواد أولية أو مياه. مفوض الأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل قال أيضاً إن الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون صعبة للغاية، داعياً الأوروبيين الى الاستعداد لـ»دفع ثمن الحرية والأمن»، اضاف:» نعم، الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون صعبة للغاية. أولا وقبل كل شيء، بالنسبة للأوكرانيين الذين يدفعون الثمن حياتهم، وكذلك لجميع الأوروبيين الآخرين، لكن لا يمكننا تقليل التزاماتنا أو إضعاف عزيمتنا، حتى عندما يرتفع الثمن. مستقبل الديمقراطية الأخوية والأمن الأوروبي، وحتى العالمي، على المحك. يجب أن نكون مستعدين لدفع هذا الثمن: ثمن حريتنا المشتركة وأمننا المشترك».
هذا الخطاب لن يلقى بالتأكيد قبولاً من المواطن الأوروبي، فكلمات ماكرون التي جاءت خلال اجتماع أسبوعي لمجلس الوزراء، وتم بثه مباشرة بشكل استثنائي، لم تقابل سوى بدعوة منظمات عدة للتعبئة والاضراب في نهاية الشهر الجاري. كما تدل استطلاعات الرأي على تراجع الدعم الشعبي الفرنسي لسياسة دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، فقد أجرت إحدى المحطات الاذاعية الفرنسية اخيرا استطلاعاً على موقعها بشأن دعم فرنسا لأوكرانيا في الحرب ضد روسيا، حيث رفض نحو 87 في المئة من المستطلعة أراؤهم مواصلة الدعم العسكري، بينما بلغت نسبة المصوتين بـ»نعم» نحو 8 في المئة فقط.
لا أحد في أوروبا سيفكر في تحمل الأوقات الصعبة دعما لما يصفه الغرب ثمن الحرية، ولكن ما سيحدث واقعياً ـ على الأرجح ـ قد يضع نهاية لأمور كثيرة، لا سيما أن تداعيات الأزمة الأوكرانية جاءت في ظل عدم التعافي من وباء «كورونا» ويتزامن مع أسوأ موجة جفاف تشهدها أوروبا منذ نحو 500 عام،وفق مركز البحوث الأوروبي المشترك، حيث يعاني أكثر من نصف أراضي الاتحاد الأوروبي (64في المئة) من موجة جفاف تؤثر بأشكال مختلفة على حياة الناس.
الحاصل أن هناك كرة ثلج ستكبر مع الوقت في الاتحاد الأوروبي، اذ تريد فرنسا وألمانيا إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن، وبالطرق الديبلوماسية، وهو ما يتعارض تماماً مع رغبة دول وسط وشرق أوروبا في مواصلة دعم أوكرانيا، وهو موقف يتماهى مع الموقف الأميركي، ولهذا تحتفظ باريس وبرلين بموقفيهما لنفسيهما في الوقت الحالي حفاظاً على وحدة الصف الأوروبي، لكن إلى أي مدى ستلتزمان الصمت وتؤثران المصلحة الأوروبية العليا؟
تأثيرات أزمة أوكرانيا وتداعياتها السلبية لن تتوقف في المدى القريب، حتى لو انتهت الحرب اليوم، فهي ستتسبب بأكبر ارتفاع مفاجئ بأسعار السلع منذ سبعينات القرن الماضي، كما اعلن البنك الدولي، وذلك لن ينتهي بجرة قلم أو توقيع اتفاق تسوية سياسية، والآثار الاقتصادية والإنسانية الكبيرة للحرب عالمياً تحتاج وقتا لمعالجتها، لأن خروج الشركات الغربية من روسيا وأزمة سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار مواد الطاقة كلها عوامل لن تجد طريقها للحل بسهولة، ناهيك عن الأحوال الجوية السيئة في الصين وأميركا الشمالية التي تفاقم بدورها آثار الأزمة الأوكرانية.
الأوقات الصعبة المقبلة لن تنتظر الشعوب الأوروبية فقط، كما يتوقع الساسة، بل تنتظر القادة والدول أيضاً، وتعد اختباراً مصيرياً صعباً للاتحاد الأوروبي كمظلة تلتقي تحتها أوروبا الموحدة.

كاتب إماراتي
آخر الأخبار