السبت 02 مايو 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

استقلالية الفضاء السيبراني... بين الحقيقة والخيال

Time
الاثنين 17 أغسطس 2020
السياسة
د. نجلاء يس

في نظرة حالمة الى عالم افتراضي مثالي على غرار اليوتوبيا الأفلاطونية، اعلن الشاعر الغنائي والمؤسس المشارك "لمؤسسة الحدود الإلكترونية" جون بري بارلو في 8 فبراير عام 1996"استقلالية الفضاء السيبراني" من خلال ورقة عمل قدمها في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسري للتعبير عن"الحرية غير المسبوقة"، ردا على تمرير قانون الاتصالات الأميركي الصادر عام 1996، والذي كانت أكثر أجزائه إثارةً للخلاف تضمنه لتشريع مناهض للمواد الإباحية، وذلك في الباب الخامس منه الخاص بـ"قانون آداب وسائل الاتصال".
تحدث فيها كممثل للمستقبل الآتي من الفضاء السيبراني، تلك المساحة الشاسعة التي يحدث فيها الاتصال والتفاعل بين البشر، والأجهزة، والبرمجيات، والمعلومات، والشبكات، من خلال شاشة، وطالب بتوقيع عقد اجتماعي ينظم العمل بهذا العالم الافتراضي الذي أسماه "الموطن الجديد للعقل"، حيث حضارة الفكر والإنسانية وحرية التعبير والعدل، ليتفوق على عالم الواقع بافتقاده سيطرة حكومات العالم الصناعي العملاقة، ويتباين عنه في مفاهيم الملكية، والتعبير، والهوية، والحراك، والسياق المبنية على المادة نظرا لكونه عالم غير مادي تنعدم فيه هوية الأجساد، ويختلف معه في قوانينه غير المكتوبة التي تنشأ من خلال العمل الجمعي القائم على كل من المعاملات، والعلاقات، والفكر نفسه.
لكن الطريق الى جهنم دوماً مليء بالنوايا الحسنة، فقد اثبت الزمن عدم قدرة السكان الخياليين لهذا الكوكب الافتراضي على تحقيق البنود المثالية لهذا الإعلان، كما حلم صاحبه، وقد عجز هو نفسه عن تحصين الذوات الافتراضية التي تحيا به عن أجسادها بعالم المادة، فربما كان امتلاك الفضاء السيبراني، صعب بفضل تعددية وانتشار شبكة الإنترنت، لكن السيطرة عليه والتحكم فيه أمر آخر تحكمه الأسبقية والريادة التقنية لدول بعينها دون سواها.
بالإضافة الى حقيقة وجود عالم مادي مكون من الأجهزة والعتاد والبرمجيات والشبكات يقبع خلف هذا العالم اللامادي مما يسهل معه عملية توجيهه والهيمنة عليه من جانب الدول الرأسمالية العظمى، وبخاصة بعد تحول هذا العالم منطقة ساخنة من الانحراف الجنسي، والفوضوي، والإرهابي، والأخلاقي، وتسببه في أحداث سياسية، واقتصادية، وأمنية وعسكرية هزت العالم أجمع وغيرت من مجريات الأمور، مما جعل الحكومات تنتبه لتهديداته ليتم تصنيفه كالمجال الحربي الخامس بعد البر، والبحر، والجو، والفضاء، نظرا الى كونه محيط ظني يقصده سكان العالم على اختلاف ثقافاتهم من كل حدب وصوب للتعبير عن النفس بعيداً عن الأعين. وهو ما دعا بجون بري بارلو قبل أن يغادر عالمنا في 7 فبراير 2018، الى الشعور بالأسف على عدم تمكنه من تحقيق حلمه في الوصول للمدينة الافتراضية الفاضلة، رغم عدم ندمه على المناداة بها، وعدم يأسه من ميلادها يوماً ما.

كاتبة مصرية
آخر الأخبار