الإنسان وفلسفة الاختيار
بالتأكيد، ليسَ عليكَ أنْ تندرجَ في اختيارٍ ما، لا تستطيع أنْ ترى فيه ما يجعلكَ تحبّ وجودك أوحريّتك.
في هذه الخلاصة، تملكُ أنْ تعرفَ سؤال الاختيار، بمعنى أنْ تعرفَ كيف عليه أنْ يكونَ اختيارك، ليسَ تلقيناً بالتأكيد، وليس ميراثاً، وليسَ نفياً لإرادتك، وليسَ نقيضاً لاقتناعاتك، وهدماً لذاتك، بل تملكُ أنْ تعرف جيّداً، مقدار ما عليك أنْ تجده في اختياراتك، من حريّة العقل، ورحابة التفكير.
ليسَ عليكَ أيضاً، أنْ تقع في اختيارٍ ما، لا تراه مناسباً لك، لكنكَ في الوقتِ ذاته تعرف أنّ ليسَ سهلا تحقيق ذلك يداً، لأنّكَ في داخلكَ تريد أنْ تهتمَّ بتفاصيل ذاتكَ التي تتماهى مع أفكارك ونظرتك، وكلّما كان هذا الأمر متسقاً ومتوازناً داخلك، كلّما كنتَ أكثر معرفةً بما عليكَ أنْ تشعر به، وكنتَ متحكّماً بما تريد أنْ توجده في عقلك، وما تريده أنْ يتطوّر بأسلوبك، وكيف عليك أنْ تبدأ خطوتك بالاختيار.
أمّا أولئك الذين يلزمونَ غيرهم باختياراتهم، هُم في الأساس قد ألزموا أنفسهم، بما وجدوا أمامهم من اختيارت مسبقاً، إنّهم لا يملكون شيئاً من بصائر التفكير والإرادة، ولا أيضاً شيئاً من حريّة العقل والنّقد والتجربة.
إنّهم في ذلك يحافظون على إرثهم في الاختيار، وانتماءاتهم الجمعيّة، وتمسُّكهم بما يجعلهم متأكدينَ من استمرارهم في اعتقاداتهم، ولا يلتفتونَ أبداً إلى أنّ لهم حقّاً إنسانيّاً في الاختيار، لأنّ هذا الأمر ليس متاحاً في ثقافتهم، وليس مسموحاً لهم بالتفكير فيه. إنّهم فقط يؤمنونَ أنّ عليهم أنْ يكونوا مخلصينَ لميراثهم اليقينيّ والاعتقاديّ المحدَّد، وعليهم في الوقتِ ذاته الدفاع عنه، وكأنّه كلَ ما يربطهم بحقيقتهم الكاملة التي يحسبون إنّ فيها خلاصهم الوحيد والأوحد.
أنْ تختار ما تجده حقيقيّاً لعقلك وحريّتك، يعني أنْ تكون سعيداً باختيارك لأنّه الذي تريد أنْ تفهم الحياة معه ومن خلاله.
إنّكَ في اختيارك هذا تستطيع أنْ تتعرَّف بوضوح في فهم ما عليهِ أسلوبكَ في تبنّي مسؤوليتكَ التفكيريّة، لأنّكَ في هذه الحالة تريد من اختياركَ أنْ يكونَ دافعكَ الأساسيّ إلى معرفة الأفكار التي تسعى إلى مرافقتها بمتعةِ الواثق من جمالية انفتاحها الطَّليق على التجربة الإنسانية، وعلى الذاكرة المعرفيّة للإنسان.
إنّك في هذه الرفقة الخلاّقة مع اختياراتكَ تستطيع أنْ تعرف أنّ الحياة تنطوي على أكثر من حقيقة، وأكثر من صورة واتّجاه، وتعرفُ أنّ الأفكار في الاختيار إنّما هيَ في الأصل تعكس حقيقتك الشاخصة في انشغالات التفكير والنّقد والتجربة، وقد يكفي أن ترى في اختياراتكَ الحرَّة ما تريد أنْ تحبّه من عقلكَ.
إنّكَ تملكُ أنْ ترى في اختياركَ الحرّ مقدار ما تستطيع أنْ ترى في وجودكَ من حريّةٍ التّحرك والمبادرة والتنوّع، لأنّك لست مقيّداً، تتمتّع بانسيابيّةٍ في تركِ ما ليس مناسباً لك.
لأنّك في مسألة الاختيار أولاً وأخيراً تهتمُّ مباشرةً بِمناقشة الأفكار، والسعيّ الملهم في عوالمها وآفاقها، فمعركتكَ دائماً ما تراها في مقارعة الأفكار، وفي نقدها وتفكيكها، ومعرفة جدواها، وقدرتها على الخَلق والإبداع.
أولئكَ الذين يريدونكَ في اختيارهم لا يهتمّون أبداً لما أنتَ عليهِ من تماثلٍ حقيقيّ وحرٍّ مع اختيارك، فقط يريدونكَ أنْ تكون مثلهم في اختيارهم، لأنّهم يتوجّسونَ دائماً كونكَ خارجاً على اختياراتهم التي وجدوها أمامهم، ولأنّهم يجدونَ في اختياركَ تهديداً لاختيارهم، من دون أنْ يملكوا فيه حريّة التغيير، والسؤال، والنّقد والتفكير.
ولذلك ما يدعو إلى الغرابة الشديدة، أنْ يتعلّق الإنسان باختيار وجده أمامه بمحض التوارث والتلقين، يحتمي به ويتقوقّع فيه خوفاً من اختياراتٍ خلاّقة وحرَّة ومنفتحة، في حين يستطيع أنْ يجد طريقه نحو التقدَّم والإبداع في اختيار يسعى إليه حرَّاً، ويبتكره انسجاماً وتعلقاً وتطلّعاً مع عقله وتفكيره وسؤاله.
بالتأكيد إنّه اختيارك الحرّ في مخاض التحوّلات والمراحل والتغييرات، فاختياركَ هنا يعني جودتكَ في الإمساك بما يجعلكَ تحتفظ بذاتكَ، ويعني أنّك تستمر باختياركَ متفكّراً ومبتكراً، ومبدعاً أيضاً، وتعرفُ أنّك حينما تتركُ خلفكَ كلّ أوهامك، تستطيع أنْ تمنح اختيارك فعل الحريّة، وبدائع الخَلق، وفنون المعرفة، وجودة القرار، فمَن يكونون في صلب اختيارهم الحر، يستخدمونَ جيّداً عقولهم.
إنّه في اختياره الحرّ هذا لا يفكر إلاّ في أنْ يمضي بعيداً في مبادرات ذاته الطَّليقة، يتخلّقُ وعياً شاخصاً في فلسفاته وتفكّراته وتساؤلاته الإنسانيّة الحرَّة.
وقد نتساءل هنا: ماذا لو استطاع الإنسان الذي لا يزال متخشباً ومندرجاً في اختياره المحدَّد مسبقاً، أنْ يبتكر اختياره انطلاقاً من فلسفتهِ العقليّة المستقلّة، ألاَ يشعر حينها بالاشمئزاز والتعاسة والتراجع، لكونهِ لا يملكُ من اختياره عقلاً معاصراً ومنفتحاً وحرّاً؟ ولذلك مَن يملكون اختيارهم، يكونون واثقين جداً من قدرتهم على الشّعور بحريّتهم، وهو وحده يمنح الإنسان جمال الاقتناع الذي يجعله مدركاً أنّه يمضي حرَّاً سعيداً.
كاتب كويتي
محمود كرم