حسن علي كرمهناك حالة من التراجع عن المواقف العنترياتية السابقة التي اتخذتها بعض الحكومات العربية ازاء الوضع في سورية، هذا التراجع يتجلى باقتراب الحرب من نهايتها، وبعدما تأكدوا ان سورية لن تسقط في براثن التنظيمات الارهابية، وان نظام بشار الأسد باق و صلب و مقبول من كل القوى الدولية. من مهازل السياسات العربية ان الذين دعوا الى تجميد عضوية او طرد النظام السوري من الجامعة العربية ومنح المعارضة مقعد سورية، هؤلاء اليوم يهرولون لكي يسبقوا الاخرين حتى يكسبوا رضا النظام السوري، الذي هددوه بالرحيل وترك سورية نهباً لغلاة الاٍرهابيين والمعارضة الفوضوية، سياسات لا تدل الا على السطحية والغطرسة والغرور والنظر القصير. بعد سبع سنوات مضت من الحرب العبثية، و سبع سنوات من المؤامرات الخائبة على سورية، و بعد سبع سنوات من التهجير و التشريد و اللجوء، و سبع سنوات من الحياة القاسية و المعيشة المذلة، بين الجوع و الخوف والتشريد و البرد و الحر، سبع سنوات ما لم يذق فيها سوريو الداخل والمشردون طعم الحياة و لذة المعيشة، سبع سنوات سوريون مشردون غرباء يفترشون الارض سكناً والسماء لحافاً، ياتي هؤلاء اليوم الذين دسوا باصابعهم التآمرية على تخريب ذلك البلد الجميل بدعوة إنقاذ السوريين من نظامهم الديكتاتوري، وكأن انظمتهم تقوم على العدل والصراط المستقيم، وان شعوبهم تنعم بالعدالة والعيش الكريم، و ان ليس هناك تفريق بين الحاكم والمحكوم، و ان الكل سواسية كاسنان المشط امام القانون. هذه المهزلة السياسية والعبث بمصير الشعوب والدول، كان يمكن الا تحدث، وتظل الامور في السياق الطبيعي، لو ادرك العابثون بالنار ان المكر السيئ يرد بالأسوأ الى صدورهم، فماذا جنى المتآمرون على سورية غير الهزيمة و الخذلان، و الأموال المليارية الطائلة التي ذهبت في شراء الاسلحة، و الارض السورية التي تحولت الى مقابر ومدافن و خرائب و ركام، وسورية التي تحولت الى ساحة لتجريب أحدث الاسلحة، وميدان لتدريب فنون الحروب، سورية التي كانت سورية حكماً وسورية امة وسورية جيشاً و شعباً، غدت أرضاً للمحتلين، تتنازعها جيوش من الغرب والشمال و الجنوب والشرق، وسورية التي كان قرارها ينبع من مصلحتها غدت مكبلة بالوجود الاجنبي على أراضيها، ومجبرة على اخذ الاعتبار لهذا الوجود الدخيل.
الكويت منذ اليوم الاول من الازمة نادت بالحل السياسي، رغم ان المناداة بالحل السياسي في حينه لم تكن الا هروباً من واقع مستجد، ذلك انه لم يكن لاحد ان يتوقع ما ستؤول اليه النهاية، فهناك من راهن برحيل نظام الأسد و اخرون كانوا يتخيلون سورية الديمقراطية، و اخرون كانوا يخططون للدولة الدينية الداعشية، هذا بخلاف ان هناك من كان يتصور فرصة لتكسير ضلع سورية وجرها للتسويات السياسية، وتقسيم أراضيها الى ما يشبه دويلات الطوائف. علينا ككويتيين الا ندفن رؤوسنا بالتراب، و نزعم اننا كنّا على حق عندما دعت حكومتنا بالحل السياسي، في حين كان كل أدائنا حيال الازمة وحيال الدولة السورية يخالف مناداة الحل السياسي، الذي يفترض على من ينادي بالحل السياسي الوقوف على الحياد التام، و الوقوف ضد القتال والفوضى. كان على الكويت الا تنجرف مع الذين طالبوا بتجميد عضوية سورية في الجامعة العربية، ومنح المقعد للمعارضة الدمية، التي لم تكن أساساً تشكل وضعاً مناسباً لحكم سورية ولا حصلت بالاعتراف من كل او من غالبية الحكومات العربية، لقد كان على الكويت الا تخاف من زعيق الزعران و الجهلة، وتطلب من السفارة السورية في البلاد غلق أبوابها ورحيل الهيئة الديبلوماسية. كان على الكويت ان تمنع سفر الارهابيين من البلاد الى سورية للانضمام الى التنظيمات الارهابية التي كانت تقاتل هناك، وكان اقلها ان تسحب جوازات سفرهم بل وحتى جنسياتهم طالما يسبب ذلك أضراراً للبلاد. كان عليها ان تتشدد بإخراج الأموال المليونية التي كانت تجمع من جيوب البسطاء والسذج لتذهب الى شراء الاسلحة وقتل الأبرياء و تشريدهم من بيوتهم و اوطانهم. نعم للكويت صفحة بيضاء و مشرقة و هي عقدها مؤتمرات دولية للمانحين على أراضيها، لتجميع الأموال للاجئين السوريين، و نعم للكويت الصورة المشرقة التي تبرعت بالاموال الطائلة لهؤلاء اللاجئين المقيمين في بلاد اللجوء، في لبنان و تركيا و الأردن، و للكويت الصورة المشرقة عندما سارعت جمعية الهلال الأحمر الكويتية و الجمعيات الخيرية الى تقديم المعونة الانسانية لهؤلاء اللاجئين، انها اعمال من سمات الخير الكويتية. انه من الجميل حقاً ان نسمع أخيراً من القائم بالاعمال السوري في الكويت الدكتور غسان عنجري قوله "انه لم يجد كسفارة في الكويت الا كل تعاون وترحيب" والاجمل لو عادت العلاقات الديبلوماسية الكاملة بين البلدين، فلا هناك ما يعيق عودة العلاقات الكاملة، فكل الكويتيين -الا قلة - باتوا مقتنعين ان سورية تعرضت لمؤامرة قذرة، و انه لم تكن هناك ثورة شعبية على غرار ثورات ما يسمى بالربيع العربي التي اجتاحت تونس و مصر واليمن، وان المؤامرة على سورية كانت أصابع خارجية لا ثورة داخلية. في كل الاحوال،على الكويت التي تتسارع الاوضاع في سورية الى ما يشبه الاستقرار، وعودة النازحين، ان تسرع الى عودة العلاقات الديبلوماسية الكاملة،من دون الحاجة الى ما يقرره الاخرون. ان عودة سورية الى احضان الامة العربية وعودة المندوب السوري للجلوس مجددا في مقعده في الجامعة العربية، لا تحتاج الى قرار، فالمقعد ظل خالياً، هناك اخطاء وقعت وعلى المخطئين تصحيحها، تفكيك سورية الى دويلات طائفية لا يخدم الا الكيان الاسرائيلي، و هو ما ينبغي التصدي ليس لبقاء سورية الموحدة وانما لحاجة يقتضيها استقرار المنطقة.كاتب كويتي