الخميس 16 أبريل 2026
29°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

البعد المجتمعي... الغائب في ادعاءات منظمات حقوق الإنسان

Time
الأربعاء 30 يناير 2019
السياسة
د.عمر الحسن

يعتبر وضع مجموعة شاملة من قوانين حقوق الإنسان المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية واحدا من الإنجازات العظيمة للأمم المتحدة، وزاد من قيمة هذا الإنجاز وضع آليات لتعزيز وحماية هذه الحقوق ومساعدة الدول في تحمل مسؤولياتها. وإذا كان ما سبق حقيقة يتفق عليها الجميع، فإن الممارسة على أرض الواقع أظهرت فجوة كبيرة بين الواقع النظري والتطبيق العملي.
والشاهد على ذلك أن منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش"، و"منظمة العفو الدولية"، و"هيومن رايتس فرست"، و"الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان"، و"مجلس حقوق الإنسان" التابع للأمم المتحدة، ووسائل إعلام غربية، في حين أنها تتجاهل انتهاكات حقوقية تصل إلى حد جرائم حرب، تركز على حقوق مجموعة من الأفراد أو فئة معينة بصرف النظر عن الجرائم التي يرتكبها هؤلاء في حق مجتمعهم من تحريض على الإرهاب والقتل والتخريب وزعزعة الاستقرار وتهديد السلم الأهلي، أي أنها إلى جانب استخدامها لسياسة المعايير المزدوجة في عملها تنحاز لمصلحة الفرد على حساب المجموع والمجتمع، لا تراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمعات المختلفة، وهو ما يخرج الهدف من وضع القانون الدولي لحقوق الإنسان عن مساره، ليصبح مسارًا مشبعًا بالأهواء والزيف والتدليس والزور والبهتان، وبالتالي بدلاً من تحسين حياة الناس يتم تحويل هذه الحياة إلى جحيم.
والمثال الواضح على ما ذهبنا إليه هو نظرة هذه المنظمات وتعاطيها مع حقوق الإنسان في دول الخليج، والتي تتجاهل التطورات الإيجابية المتسارعة التي تشهدها في هذا الشأن، في مقابل التركيز على تشويه صورتها بحجة الدفاع عن حقوق أفراد ساهموا في تهديد السلم الأهلي وسعوا لنشر الفتنة والإرهاب، وهو ما أثر بالسلب على سمعة هذه المنظمات، ودرجة التعاون بينها وبين دول الخليج، وهو ما يطرح بدوره مجموعة من التساؤلات: هل يعقل أن يتمتع بعض الأفراد الذين يرتكبون أعمالاً مخلة بالنظام العام بالحصانة على حساب مصلحة باقي أفراد المجتمع؟ وهل نضحي بالمجتمع لحماية فرد معين أو فئة معينة خارجة عن القانون؟ وهل نتغاضى عن إرهاب دول ضد شعوب دول أخرى كما يحصل من قادة الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني أو كما حصل من قبل أميركا وبريطانيا في العراق أفغانستان وغيرهما؟ هذه الأسئلة وغيرها يجب أن تناقشها المنظمات الحقوقية بموضوعية حتى يؤخذ ما تقوم به على محمل الجد.
ولأننا لا نريد العودة إلى الماضي البعيد أو القريب سنطرح ثلاث حالات هي اليوم حديث هذه المنظمات والصحف، أولها الدفاع غير المبرر ضد الحكم الصادر بحبس المواطن البحريني نبيل رجب خمس سنوات، رغم الإثباتات التي قدمتها الإدارة العامة لمكافحة الفساد والأمن الاقتصادي والإلكتروني والتي تفيد أن المذكور دأب عبرمواقع التواصل الاجتماعي على نشر النعرات الطائفية والدعايات التي تحرض على كراهية نظام الحكم، والترويج لمعلومات كاذبة ومضللة عبر الإنترنت، واستخدامه كذلك عبارات تشكل إهانة للهيئات الحكومية والدعوة إلى تجمعات ومسيرات بالمخالفة للقانون، وهي جميعها تشكل جرائم جنائية طبقًا لقانون العقوبات وقانون الاجتماعات العامة والمسيرات والتجمعات ليس فقط في البحرين ولكن في كل دول العالم، وليس لها أي علاقة بحرية التعبير، إضافة إلى نشره صورًا مزورة لعدد من الجثث باعتبارها نتيجة للحرب في اليمن.
فرغم كل هذه الاتهامات، نددت بعض وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان، بالحكم وشككت بنزاهة القضاء في مقالات وتقارير، بلغت خلال العام 2018 فقط 101 منها 66 صادرة عن منظمات حقوقية، علمًا أن المذكور خضع لمحاكمة عادلة، ولاتهامات محددة، ومرت محاكمته بدرجات التقاضي المتعارف عليها دوليًّا، بوجود محامين، وحتى ممثلين لبعض السفارات ووسائل الإعلام.
وبذلك لا يكون نبيل رجب سجين رأي، كما تدعي لين معلوف، مديرة مكتب الشرق الأوسط لدى منظمة العفو الدولية، بالنظر إلى أن المخالفات التي ارتكبها تنتهك القانون الذي وضع المبادئ والقواعد التي تتعلق بممارسة حرية الرأي والتعبير، وأهمها "ضرورة المحافظة على الأمن وعدم تعريض مصالح الناس للخطر وصون الوحدة الوطنية ونبذ العنف".
وعلى غرار حالة رجب تكرر المشهد الثاني نفسه في حالة حكيم العريبي اللاعب البحريني في منتخب البحرين لكرة القدم، الذي هرب إلى أستراليا عام 2015 وحصل على صفة لاجئ عام 2017، فالرجل وجه له اتهام بالهجوم على مركز للشرطة بالقنابل الحارقة "المولوتوف" وهو الاعتداء الذي أسفر عن إتلاف ثلاثة من أبراج المركز وإصابة عدد من أفراد الدورية ورجال الأمن، وكان هدفه قتل عدد من الأفراد المتواجدين بالمركز، ولهذا حكم عليه غيابيًّا عام 2014 بالسجن 10 سنوات، أثناء تواجده خارج البحرين، حيث كانت النيابة العامة قد أفرجت عنه بكفالة، وبدلاً من أن يعود للبحرين ليستأنف الحكم، منحته أستراليا حق اللجوء السياسي رغم علمها أنه مدان في جريمة إرهابية في بلاده، وأثناء زيارة سياحية قام بها إلى تايلند تم توقيفه في مطار بانكوك في 27 نوفمبر 2018، على خلفية مذكرة توقيف صادرة عن الإنتربول بناء على طلب مملكة البحرين، وطالبت الحكومة التايلندية بتسليمه لها، التي هي ملزمة باحترام القانون الدولي الخاص بالانتربول. غير أن الخارجية الأسترالية والاتحاد الدولي لكرة القدم وكذلك الاتحاد الأسترالي ومنظمات حقوقية وغيرها تضغط على حكومة تايلند لإعادته إلى أستراليا، لتصبح قضية العريبي هي الأخرى أيقونة المنظمات الحقوقية والحكومة الأسترالية وغيرها.
ورغم كل الادعاءات الباطلة والمزيفة التي استهدفت النيل من صورة البحرين في هذه التغطية ،نفت الحكومة البحرينية كل الادعاءات والاتهامات بأنه تعرض للتعذيب، وطالبته بالعودة للبلاد للطعن على الحكم الصادر ضده، موضحة أن شخصين آخرين أدينا مع العريبي في القضية ذاتها لكنهما طعنا على الحكم وتم تبرئة ساحتهما من خلال إجراءات القضاء البحريني الذي يتمتع بالنزاهة والاستقلالية والشفافية.
وفي المشهد الثالث تأتي حالة رهف القنون، السعودية البالغة من العمر 18 عامًا، والتي كانت برفقة أهلها في زيارة للكويت، فهربت من هناك إلى تايلند، مدعية أنها تتعرض لعنف أسري من أهلها- ليس من حكومة بلدها- وطلبت من الحكومة الأسترالية أن تسمح لها باللجوء، لكن طلبها لم يجب عنه بالقبول أو بالرفض، وإذا بالحكومة الكندية تعلن أنها توافق على منحها حق اللجوء وتهرع وزيرة خارجيتها إلى المطار لتستقبلها بطريقة كانت مدعاة للسخرية والضحك، وهو ما دفع لتفسير قبولها بهذه السرعة بأنه تقف وراءه دوافع سياسية لا إنسانية، باعتبار أن اللجوء يتم في حالة تعرض الشخص للاضطهاد بسبب آرائه السياسيّة، أو تعرض بلده لغزو عسكريّ، أو حروب أهلية، أو حدوث كوارث طبيعيّة، وليس لكل من اختلف مع أسرته.
وبمراجعة ما سبق ،يمكن القول إن المنظمات الحقوقية والصحف الأجنبية وغيرها، والتي تركز في تقاريرها فقط على ملفات حقوق الإنسان الفردية وتتجاهل حقوق المجتمعات والأضرار الناجمة عن ممارسات هؤلاء الأفراد، غالبًا ما تقف وراءها حكومات تستخدمها كأداة لممارسة ضغوط سياسية أو اقتصادية ضد الدول المستهدفة، والتي لا تتفق مع توجهاتها، لذلك تخلط الأوراق الحقوقية بالسياسية.
وتلك الحقيقة يجسدها نيك كوهين في صحيفة "ذي إسبيكتاتور" البريطانية، حين قال: أصبحت المنظمات الحقوقية التي تعتمد على مساهمات أعضائها تعكس مصالح أعضائها وتحيزاتهم، وكذلك أيضًا ما قاله روبرت بيرنشتاين، الرئيس السابق لـ"هيومن رايتس ووتش" في صحيفة "نيويورك تايمز"، ان "يمكن لمنظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن تثبت نفسها كقوة أخلاقية بالعودة إلى تحقيق مهماتها الرئيسة وعدم الانحياز، أما فشلها في القيام بذلك يعني أن مصداقيتها ستظل مفقودة، وستعاني العديد من الدول من تداعيات هذا الفشل، وهو ما يعني أن هذه المنظمات قد ضلت طريقها نحو موقف يركز على مهاجمة دول بعينها، أصبحت ضحية لدوافعها المشحونة سياسيًّا.
وفوق هذا وذاك، فإن تركيز منظمات حقوق الإنسان على الحالات الفردية يصرف الانتباه عن القضايا الأشد إلحاحًا من قِبَل دول تدعي وتزعم ليل نهار أنها ديمقراطية وتتبجح بذلك (إسرائيل مثالاً)، أو أنها معنية بقضايا حقوق الإنسان وتدافع عنها الدول الغربية، وهو ما يجب أن يحظى باهتمام هذه المنظمات، فأين هذه المنظمات مما يقوم به قادة إسرائيل من ممارسات إجرامية ضد الشعب الفلسطيني، من تطهير عرقي وتشريد وتنكيل، واستهداف الأطفال، وهدم البيوت وتهويد الأراضي في مخالفة صريحة لقرارات الشرعية الدولية، وهذا فضلاً عن حصارها اللاإنساني الذي تفرضه على مليوني فلسطيني من سكان قطاع غزة.
ولنتساءل مرة أخرى: أين كانت المنظمات الحقوقية من اجتياح العراق وتدميره وتقسيمه وتشريد وتهجير شعبه وقتل وجرح أكثر من مليوني عراقي إلى جانب الاعتقالات التي تقدر بعشرات الآلاف على يد القوات الأميركية وحلفائها؟
والسؤال نفسه يتكرر عند ذكر معتقل غوانتنامو سيئ السمعة الذي أنشأته الولايات المتحدة في كوبا خصيصًا لاحتجاز أكثر من 770 شخصًا من دون توجيه تهمة منذ بدء حربها في أفغانستان عام 2001 أغلبهم من العرب مارست ضدهم كل أشكال التعذيب القاسي، وهو ما اعترفت به وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
كل ذلك قامت به الولايات المتحدة التي تنسب لنفسها أنها المدافع الأول عن حقوق الإنسان والحريات في العالم، وذلك وسط تجاهل تام من قبل المنظمات الحقوقية والتقارير الصحافية.
وفي الأخير يمكن القول: إن على منظمات حقوق الإنسان أن تعيد النظر في تعاطيها مع قضايا حقوق الإنسان في العالم من أجل تحقيق الهدف الأسمى للمعاهدات الدولية في هذا الشأن، وهو الارتقاء بحياة الإنسان اجتماعيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا مع ضمان حريته في الرأي والتعبير بما لا يخل بالمبادئ والقواعد المجتمعية والخصوصية الدينية والثقافية لكل مجتمع، وإلا فإن كل ما سعت البشرية إلى تحقيقه خلال الفترة السابقة من عمرها سيزول لا محالة.
وإذا كان هذا ما يتوجب على المنظمات الحقوقية، فإنه يتطلب من دول الخليج مجابهة هذه الحملة الممنهجة ضدها، بالحقائق والأرقام، من خلال وحدات متخصصة تتلقى معلوماتها من الجهة المستهدفة لترد بها في الحال على التقارير الحقوقية أو الصحافية التي -وللأسف- لم تنقطع منذ العام 2011 حتى اليوم.

مدير مركز الخليج
للدراسات الستراتيجية
آخر الأخبار